نظر الجمهور فيهما لماذا حرم الربا فيهما ؟ فقالوا أقوالًا كثيرة ، ولكن القول الراجح فيها: مطلق الثمنية .
لأن الشارع أراد أن تكون أثمانًا بحيث لا تقصد لذاتها - لأنها لو قصدت لذاتها لحصل الربا - فأراد أن يبثها ويفرقها في الناس ويفتتها فتكون وسيلة للتعامل وحصول الأشياء . حتى لا يؤدي تراكمها بيد معينة كما يحصل الآن عند المرابين .
وهذا قول المالكية والشافعية ورواية عند الحنابلة اختارها الموفق وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ورجحته هيئة كبار العلماء .
فعلى هذا ننقل العلة فنقول: كل مال وجدت فيه العلة حرم فيه الربا قياسًا على النقدين حتى قال الإمام مالك - كما في المدونة -: لو تواضع الناس على أن يجعلوا الجلود أثمانًا لكرهت الربا فيها . وهذا من فقه الإمام رحمه الله فإنه ما علم أنه سيأتي زمان الورق الذي هو أرخص الأشياء سيتخذ أثمانًا .
فإذًا نقيس كل مال استعمل ثمنًا جرى فيه الربا قياسًا على النقدين ، فالريال يستعمل ثمنًا فيجري فيه الربا وكذا كل العملات .
ثانيًا: المطعومات ( البر ، الشعير ، التمر ، الملح ) :
أيضًا اختلف فيها العلماء في استنباط العلة فيها على أقوال عديدة ولكن أشهر الأقوال:
1-أن العلة فيها الكيل والوزن فقط ، فكل مكيل أو مووزون جرى فيه الربا قياسًا على هذه المطعومات الأربع .
قالوا: نظرنا لهذه المطعومات الأربع فوجدناها مكيلة ، وأما الموزون فمن نصوص أخرى كما في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أنكر على الرجل الذي باع صاعين بصاع من تمر جيد قال الراوي كما في الصحيحين: وقال في الميزان مثل ذلك .
وكذلك قول عمار: إلا ما كيل أو وزن ، فالوزن مثل الكيل .
فكل مكيل أو موزون جرى فيه الربا سواء كان مطعومًا كالبر والملح والتمر وكاللحم أو غير مطعوم كالصابون والأشنان والحديد والرصاص ، وهذا مذهب الحنفية والمعتمد عند الحنابلة وقول بعض التابعين ، فهؤلاء وسعوا الدائرة .
2-أن العلة فيها هي الطعم فكل ما كان مطعومًا جرى فيه الربا ، ودليلهم حديث عمر عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الطعام بالطعام مثلًا بمثل » وقالوا: كما شرّف الشارع الثمنين وأراد أن تكون وسائل كذلك شرّف الأطعمة لئلا يحصل احتكارها فنهى عن الربا فيها .
وهذا قول الشافعية ورواية قوية عند الحنابلة .
وقالوا: العبرة بالطعام سواء كان مكيلًا أو موزونًا كالتمر والملح والبر واللحم والدهن والعسل أو غير مكيل ولا موزون يعني معدود مثل البطيخ والتفاح والكمثرى .
وهذا قول واسع .
3-أن العلة فيها هي الكيل والوزن مع الطعم ، وهو قول وسط بين القولين السابقين وضيقوا الدائرة قليلًا ولم يوسعوا الربا فسهلوا على الناس .
فيجري الربا في كل مكيل مطعوم أو موزون مطعوم ولا يجري الربا في المكيل غير المطعوم كالصابون ولا الموزون غير المطعوم كالحديد والرصاص ، ولا يجري في المطعوم غير المكيل ولا الموزون كالمعدود مثل البطيخ وغيره .
وهؤلاء أقرب إلى الدليل ؛ لأنهم جمعوا بين الأدلة ولم يفرقوا بينها وهذا قول قوي عند الحنابلة وقول الشافعية في القديم واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية والموفق والرأي الذي استقرت عليه هيئة كبار العلماء وهو الراجح إن شاء الله .
وعلى هذا فكل ما وجدت فيه العلة من غير الأصناف الأربعة مما هو مطعوم مكيل أو مطعوم موزون جرى فيه الربا مثل العنب الزبيب اللبن اللحم قوالب السكر .
مسألة / القاعدة في جريان الربا بنوعيه:
قبل هذه القاعدة نذكر أمورًا:
يجب أن تعلم أولًا أنه لا يوجد عندنا إلا ثلاث علل للربا فقط وليس في الدنيا غيرها:
1-الأثمان .
2-المكيل المطعوم .
3-الموزون المطعوم .
ويدخل تحت العلة أجناس وتحت الجنس أنواع وتحت النوع أفراد مثال: الريال السعودي جنس وتحته من أنواعه الورقي والمعدني وتحت الأنواع أفراد يعني ريال وريال .
هذا في الأثمان .
وفي المكيل المطعوم تحت هذه العلة أجناس كالتمر والبر والشعير إلخ ، وتحت كل جنس أنواع فالتمر تحته: سكري ، برني ، خلاص ، وتحت النوع أفراد يعني تمرة وتمرة وتمرة .
وفي الموزون المطعوم تحت هذه العلة أجناس ، مثل: اللحم ، وتحته أنواع: البقر ، الغنم ، والنوع أفراد ، وهكذا .
بعد هذا نأتي إلى قاعدة جريان الربا ، فنقول:
* إذا اتحد الجنس فإنه يجري نوعا الربا: الفضل والنسأ .
فإذا بعتُ مالًا من جنس واحد ولو من نوعين حرُم الفضل والنسأ مثل تمر سكري بتمر خلاص ، فلا بد أن يكون مثلًا بمثل يدًا بيد .
* إذا اختلف الجنس واتحدت العلة فإنه يجوز الفضل ويحرم النسأ .
مثل: ريال بدولار فإنه يجوز التفاضل ولا بد من التقابض .
* إذا اختلفت العلة فإنه لا يجري الربا في النوعين .
بمعنى أنه يجوز التفاضل والنسأ مثل: تمر بريال فلا بأس من التفاضل والتأخير .
* ومن باب أولى إذا بعت ربوي بغير ربوي فإنه لا يجري الربا في النوعين .
كالمعدودات كسيارة بريالات فلا بأس هنا بالفضل والتأخير فيها .
مسألة / ما يصلح المطعوم:
ذكرنا أن كل مطعوم مكيل أو موزون يجري فيه الربا ويقاس عليه غيره مما لم يذكر .
ومثل المطعوم ما يصلح المطعوم ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر ثلاثة أطعمة وهي: البر والشعير والتمر ، وذكر ما يصلح المطعوم وهو الملح فيقاس المطعوم على المطعوم فنقيس الذرة والرز والدخن على المطعومات .
ويقاس ما يصلح المطعوم على ما يصلح المطعوم ، فنقيس البهورات والكمون والفلفل على الملح ؛ لأنها تصلح المطعوم .
مسألة / بيع المكيل والموزون بجنسه:
في ربا الفضل لا يجوز أن تبيع مكيلًا بجنسه إلا كيلًا مثل تمر بتمر فلا يجوز أن تبيعها وزنًا ولا عدًا ؛ لأن الشارع حدد في الربويات الكيل لأنها قد تتساوى وزنًا ولا تتساوى كيلًا .
ولكن إذا بعت المكيل بغير جنسه فلا يحجر الشارع عليك سواء بعتها وزنًا أو كيلًا أو عدًا كتمر ببر أو بأي طريقة .
وهكذا لا يباع الوزن بجنسه إلا وزنًا كذهب بذهب فلا يباع كيلًا ولا عدًا .
مسألة / هل هناك تأثير للجودة والرداءة أو القدم والحداثة في باب الربا؟
أجمع العلماء على أنه لا تأثير للجودة والرداءة أو القدم والحداثة في باب الربا بمعنى أنك إذا بعت تمرًا جيدًا بتمر رديء فإنه لا يعفيك الشارع من المماثلة وحديث بلال في الصحيح صريح في المسألة .
وكذلك إذا أراد الإنسان تغيير ذهب زوجته القديم بذهب جديد فإنه أيضًا لا بد في ذلك من التماثل دون النظر في هذا للقدم والحداثة .
وهكذا إذا أتى بذهب مكسر أو تبر وأراد أن يشتري به ذهبًا مصنعًا فإنه لا يجوز التفاضل في هذا مقابل الصنعة .
والحل الصحيح والشرعي في جميع هذه الحالات: أن يبيع القديم بدراهم ثم يشتري بالدراهم ما يريد من الجديد سواء كان تمرًا أو ذهبًا أو غير ذلك كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم بلالًا في الصحيح في قصة خيبر .
مسألة / الريال الورقي والمعدني:
قلنا سابقًا أن الجنس إذا اتحد فلا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا بل لابد في ذلك من التماثل والتقابض ولو اختلف النوع .
وهنا مسألة مشهورة في هذا المقام وهي: بيع الريال الورقي بمعدني أو المعدني بورقي متفاضلًا فقد أفتى بجواز ذلك بعض المشايخ والصحيح عدم الجواز ؛ لأن هذا من قبيل اختلاف النوع لا الجنس .
حجة المجيزين: ومنهم الشيخ ابن جبرين حفظه الله تعالى فقد أجاز تسعة معدن بعشرة ورق فهم نظروا إلى أنهما جنسان لا نوعان مثل: فضة وذهب وبر وتمر فلما اختلفا في الجنس جاز الفضل حسب القاعدة .