فهرس الكتاب

الصفحة 601 من 1226

المعنى اللغوي للحيل ـ والتي مفردها حيلة ـ: عرفت في المعجم الوسيط بـ (تحيل كان حاذقًا جيد النظر قديرًا على دقة التعرف في الأمور) (1) ، وقد استعرض صاحب كتاب الحيل الفقهية في المعاملات المالية المفهوم الخاص بالحيل، ووصل في تحليله لمفهوم الحيل إلى القول (بأن الحيلة تطلق ويراد بها عدة معان، فيراد بها التحول والانتقال من حالة إلى أخرى ومن شيء إلى آخر، أو بمعنى الحيلولة والحجز بين الشيئين أو الإنسان والشيء، أو بمعنى عدم الحمل بالنسبة لكل أنثى، وبمعنى طلب الحيلة؛ أي الاحتيال، وبمعنى الصفة) (2) .

أما المعنى الفقهي فيقول ابن القيم: (فالحيلة هي نوع مخصوص من التصرف والعمل الذي يتحول به فاعله من حال إلى حال، ثم غلب عليها بالعرف استعمالها في سلوك الطرق الخفية التي يتوصل بها الرجل إلى حصول غرضه؛ بحيث لا يُفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة، فهذا أخص من موضوعها في اللغة، وسواء كان المقصود أمرًا جائزًا أو محرمًا. وأخص من هذا استعمالها في الغرض الممنوع شرعًا أو عقلًا أو عادة، فهذا هو الغالب عليها في عرف الناس) (3) . ومن هنا فإن الحيل لا تعتبر جميعها محرمة، وإنما المحرم ما كان وسيلة إلى الوصول إلى ما حرم أخذه أو فعله. ولذا لا بد من معرفة الفرق بين الحيل المحرمة والحيل الجائزة، يقول الشاطبي: (الحيل التي تقدم إبطالها وذمها والنهي عنها ما هدم أصلًا شرعيًا وناقض مصلحة شرعية، فإن فُرض أن الحيلة لا تهدم أصلًا شرعيًا ولا تناقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها فغير داخلة في النهي) (4) ، وقد وضع الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ مقياسًا يتبين به المتأمل نوع الحيلة، ومدى قبولها من رفضها، يقول: (فإذا تسبب المكلف في إسقاط ذلك الوجوب عن نفسه أو في إباحة ذلك المحرم عليه بوجه من وجوه التسبب؛ حتى يصير ذلك الواجب غير واجب في الظاهر أو المحرم حلالًا في الظاهر أيضًا؛ فهذا التسبب يُسمّى حيلة وتحيّلًا) (5) . ومن هنا يتضح أن أي أسلوب يُتخذ أو يُتبع يؤدي إلى إسقاط الواجب أو تحليل المحرم في الظاهر؛ فإنه يُسمّى حيلة عند الفقهاء.

إن التحايل على الأحكام الشرعية بقصد إرضاء النفس والتحايل لأكل الحرام وفعله؛ من الأمور التي حرمها الله ـ تعالى ـ في كتابه، وأجمع على تحريمها سلف هذه الأمة، ومن أجاز صورًا من العقود البيعية للبنوك (والتي سنناقشها لاحقًا) ؛ بقصد توفير احتياجات الناس للمال بدون إيقاعهم في الربا ظاهرًا، وبقصد إخراجهم من الضيق والحرج والتوسعة عليهم بحكم أن الشريعة دائرة أحكامها على التخفيف واليسر والأخذ بالرخص؛ فهذا أمر غير مسوَّغ شرعًا، فإن من الأمور التي يأمر بها الشرع تقوية الخوف من الله، وهذا من مقاصد الشرع، ولهذا نجد في كثير من الأمور أن الشريعة حرّمت كثيرًا من البيوع سدًا لذريعة الربا، كما نهت عن ممارسة كثير من الأمور المشتبهات بقصد تقوية الخوف من الله حذرًا من الوقوع فيما حرمه، ولهذا فلا ينبغي تتبع حيل المذاهب من أجل تلبية رغبة الناس وإرضائهم، ومن الأمور المؤسفة تتبع الآراء الشاذة والحيل التي وضعها بعض الفقهاء للابتعاد عن تنفيذ أحكام الله وعن مقاصد الشريعة التي من أجلها جاءت الشريعة، وخاصة فيما يتعلق بالمعاملات المالية، كما هو حاصل الآن من إجازة عقود تتعارض مع مقاصد الشريعة تلبية لرغبات الناس، ومن الأمور المقررة شرعًا أن هناك تلازمًا بين مقاصد الشريعة والنية والعمل، يقول ابن القيم: (فالنية روح العمل ولبّه وقوامه، وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال كلمتين كفتا وشفتا وتحتهما كنوز العلم، وهو قوله:(إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى) ، فيبين في الجملة الثانية أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا يعم العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال، وهذا دليل على أن من نوى بالبيع عقد الربا حصل له ولا يعصمه من ذلك صورة البيع) (6) .

وقد استشهد ـ رحمه الله ـ لما توصل إليه من ارتباط المقاصد بالأفعال بقصة أصحاب الجنة؛ (بأن حرمهم ثمارها لما توصلوا بجذاذها مصبحين إلى إسقاط نصيب المساكين، وكذا اليهود لما أكلوا ثمن ما حرم الله عليهم أكله، ولم يعصمهم التوسل إلى ذلك بصورة البيع، فلم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها، فإنها بعد الإذابة يفارقها الاسم، وتنتقل إلى اسم الودك، فلما تحيلوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك... وهذا معنى حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود وصححه الحاكم وغيره:(لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرّم على قوم أكل شيء حرّم عليهم ثمنه) ، يعني ثمنه المقابل لمنفعة الأكل، فإذا كان فيه منفعة أخرى، وكان الثمن في مقابلتها؟ لم يدخل في هذا. إذا تبين هذا؛ فمعلوم أنه لو كان التحريم معلقًا بمجرد اللفظ وبظاهر من القول دون مراعاة المقصود للشيء المحرم ومعناه وكيفيته؛ لم يستحقوا اللعنة لوجهين:

أحدهما: أن الشحم خرج بجمله (إذابته) عن أن يكون شحمًا وصار ودكًا، كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا إلى أن يصير بيعًا عند من يستحل ذلك، فإن من أراد أن يبيع مائة بمائة وعشرين إلى أجل فأعطى سلعة بالثمن المؤجل ثم اشتراه بالثمن الحال ولا غرض لواحد منهما في السلعة بوجه ما، وإنما هي كما قال فقيه الأمة: «دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة» ؛ فلا فرق بين ذلك وبين مائة بمائة وعشرين درهمًا بلا حيلة البتة، لا في شرع ولا في عقل ولا عرف، بل المفسدة التي لأجلها حرم الربا بعينها قائمة مع الاحتيال وأزيد منها.

الوجه الثاني: أن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم، وإنما انتفعوا بثمنه.

ويلزم من راعي الصور والظواهر والألفاظ دون الحقائق والمقاصد أن لا يحرم ذلك، فلما لُعنوا على استحلال الثمن وإن لم ينص لهم على تحريمه؛ علم أن الواجب النظر إلى الحقيقة والمقصود لا إلى مجرد الصورة) (1) .

? ثانيًا: بيع التورق وعلاقته بالحيل:

التورُّق نوع من البيوع اختُلف في جوازه، فقد منعه كثير من العلماء، كما أجازه بعضهم مع تحفظ وشروط لا بد من توفرها عند التعامل بها، ومن أهمها توفر صيغة البيع الشرعي الصحيح، والبيع ـ كما عرفه الجصاص ـ هو: (تمليك المال بإيجاب وقبول عن تراض بينهما) ، ومن هذا التعريف فالبيع الصحيح هو ما تم فيه نقل الملك، وتم فيه القبض، باستثناء بيوع الآجال المرخص فيها، وكان ذلك بعوض على وجه جائز شرعًا (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت