والحيل في البيوع تأتي بفقدان عنصر من عناصر صحة البيع؛ إما بفقد التقابض أو التراضي الصحيح، أو عدم الجواز الشرعي في الثمن أو المثمن، ومن هنا تأتي الحيل لتصحيح المعاملة لتأخذ الشكل المباح. يقول ابن قدامة في المغني: (والحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين، وهو أن يظهر عقدًا مباحًا يريد به محرمًا؛ مخادعة وتوسلًا إلى فعل ما حرم الله واستباحة محظوراته أو إسقاط واجب) (3) . ويعرّف مجلس المجمع الفقهي الإسلامي ـ برابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشرة بتاريخ 11 رجب عام 1419هـ ـ التورق بأنه (شراء سلعة في حوزة البائع وملكه بثمن مؤجل، ثم يبيعها المشتري بنقد لغير البائع للحصول على النقد) ، ومن هذا التعريف ندرك شرط تملُّك السلعة وحيازتها بعينها لدى البائع قبل البيع، مع عدم شرائه لها مرة أخرى بأي أسلوب. وهذا البيع نوع من أنواع بيوع المضطر، وقد ورد في مسند الإمام أحمد عن علي رضي الله عنه، كما نقله ابن القيم في كتابه (أعلام الموقعين) ، قال: (سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤثر بذلك، قال الله ـ تعالى ـ: {وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237] ، ... ويبايع المضطرون، وقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن بيع المضطر، وعن بيع الغرر، وبيع الثمر قبل أن يطعم) . وقد علق ابن القيم على هذا الحديث بقوله: (فإن عامة العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نفقة؛ يضن بها عليه الموسر بالقرض حتى يربح عليه في المائة ما حب، وهذا المضطر إن أعاد السلعة إلى بائعها فهي العينة، وإن باعها لغيره فهو التورق، وإن رجعت إلى ثالث يدخل بينهما فهو محلل الربا. والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون وأخفها التورق، وقد كرهه عمر بن عبد العزيز وقال هو آخية الربا ـ بوزن قضية، تربط إلى وتد مدقوق تشد بها الدابة ـ، وعن أحمد فيه روايتان، وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطر، وهذا من فقهه رضي الله عنه، قال: فإن هذا لا يدخل فيه إلا مضطر. وكان شيخنا ـ رحمه الله ـ يمنع من مسألة التورق وروجع فيها مرارًا وأنا حاضر فلم يرخِّص فيها، وقال المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه، مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها، فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه) (4) .
والتورق صورة من صور بيوع العينة، فبيع العينة كما عرّفه الفيومي في المصباح بقوله: (العينة بالكسر السلف، واعنان الرجل اشترى الشيء بالشيء بنسيئة، والاسم العينة بالكسر، وفسّرها الفقهاء بأنها بيع الرجل متاعه إلى أجل ثم يشتريه في المجلس بثمن حال ليسلم له، وقيل لهذه البيع عينة؛ لأن مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بدلها عينًا؛ أي نقدًا حاضرًا) (5) ، وقد عرف الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ العينة بقوله: (العينة في الأصل السلف، والسلف يتم بتعجيل الثمن وتعجيل المثمن وهو الغالب هنا، يقال اعنان الرجل وتعين إذا اشترى الشيء بنسيئة، كأنها مأخوذة من العين(الدنانير والدراهم) وهو المعجل، وصيغت على «فعلة» لأنها نوع من ذلك، وقال أبو إسحاق الجوزجاني: إنها من العين؛ لحاجة الرجل إلى العين من الذهب والورق) (6) .
وهذا التعريف للعينة، والتي قد أجمع علماء المسلمين على تحريمها، ينطبق على بيع التورق، حيث إن القصد من بيع التورق هو الحصول على النقد، فيتم شراء سلعة مؤجلة السداد لبيعها بقصد الحصول على النقد، والإمام أحمد ـ رحمه الله ـ عندما أجاز التورق في إحدى روايتيه إنما أجازه مع الكراهة، يقول ابن القيم: (وعن أحمد فيه(التورق) روايتان الحرمة والكراهة)، وأشار في رواية الكراهة إلى أنه (المتعامل في التورق) مضطر. وبالتالي فإن للاضطرار أحكامه، فليس كل من رغب في المال لشراء ما تشتهيه نفسه أو يتوسع في تجارته يعتبر مضطرًا، فيتم التعامل بصيغة التورق ليصبح الأمر حلالًا صرفًا، كما يتم الإعلان عنه في الصحف من قِبَل البنوك التي تدعو الناس إلى الاقتراض بأسلوب صيغة التورق، مع عدم الالتزام بقواعد التعامل في التورق وفق ما تمت إجازته من قِبَل أعضاء مجلس مجمع الفقه الإسلامي، حيث اشترط التملك والحيازة لبائع السلعة لمشتريها من البنك، فهذا الشرط مفقود في التعامل الذي تمارسه البنوك كما سوف نناقشه لاحقًا.
? ثالثًا: ماهية الربا وحقيقته:
لإدراك علاقة بيع التورق بالربا المعاصر، وأنه وسيلة من وسائل استحلال الربا؛ فإن من الضروري تحديد ماهية الربا وحقيقته؛ حتى يمكن فهم حقيقة اندفاع البنوك لتبني هذا النوع من حيل لاستحلال الربا، وإشاعته، وتيسير أكله وتأكيله ضمن غطاء الإباحة الشرعية، وأنه تعامل تجيزه الشريعة وفق ما أفتت به اللجان الشرعية التي كونتها هذه البنوك. فهذه الصيغة من التحايل لا تختلف عن حقيقة ما تمارسه من تعامل ربوي صرف.
إن مادة كلمة الربا تعني الزيادة والنمو، فقد جاء في لسان العرب بأن الأصل فيه هو الزيادة من ربا المال إذا زاد، فالمعنى اللغوي المجرد يعتبر زيادة في ذات الشيء، وهذا المعنى قد ورد في القرآن الكريم عند الحديث عن الربا في قوله ـ تعالى ـ: {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 278 - 279] ، وقوله ـ تعالى ـ: {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ} [الروم: 39] .
والزيادة على المال المقرض إنما هو من أجل التأجيل كما أشار إليه أبو بكر الجصّاص في كتابه (أحكام القرآن) ، يقول: (معلوم أن ربا الجاهلية إنما هو قرض مؤجل بزيادة مشروطة، وكانت الزيادة بدلًا من الأجل، فأبطله الله تعالى) (1) . وهذا المفهوم يؤكده الإمام الرازي في تفسيره بقوله: (إن ربا النسيئة ـ التأجيل ـ هو الذي كان مشهورًا في الجاهلية؛ لأن الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجل على أن يأخذ منه كل شهر قدرًا معينًا ورأس المال باق بحاله، فإذا حلَّ طالبه برأس ماله، فإن تعذر عليه الأداء زاده في الحق والأجل) (2) .
وهذا المفهوم هو المتعارف عليه في العمل المصرفي، فالسلعة التي يتعامل بها البنك هي النقد، فهو يتجر في النقد، وبالتالي فإن النقد هو السلعة بدلًا من أن تكون مقياسًا لأقيام السلع فيما بينها، فأصبح سلعة بذاته، فخرج النقد عن الوظيفة التي من أجلها تم قبوله بين الناس، ولهذا فإن وحدات النقد التي تضاف إلى نفس النقد إنما تتحدد بنسبة من هذه الوحدات مربوطة بالزمن الذي يبقى في ذمة المقترض، وبالتالي فإن مكونات الربا تتمثل في ثلاثة عناصر، هي زيادة على كمية النقد المقدم، وهذه الزيادة تحدد بالمدة، وهذه النسبة من الزيادة شرط في المعاملة، وبالتالي فأي تعامل تتوافر فيه هذه الصفات؛ فهو في حقيقته تعامل ربوي حتى لو سمّي بغير ذلك.
وقد أشار الإمام محمد بن رشد القرطبي في كتابه (بداية المجتهد) إلى أن أصول الربا خمسة، هي:
أنظرني أزدك، والتفاضل، والنسأ، وضع وتعجل، وبيع الطعام قبل قبضه.