فهرس الكتاب

الصفحة 600 من 1226

التورق كما تجريه بعض المصارف في الوقت الحاضر

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه . أما بعد:

فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته السابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة ، في المدة من 19-23 / 10 / 1424 هـ الذي يوافقه 13-17 / 12 / 2003 م ، قد نظر في موضوع:

( التورق كما تجريه بعض المصارف في الوقت الحاضر )

وبعد الاستماع إلى الأبحاث المقدمة حول الموضوع ، والمناقشات التي دارت حوله ، تبين للمجلس أن التورق الذي تجريه بعض المصارف في الوقت الحاضر هو:

قيام المصرف بعمل نمطي يتم فيه ترتيب بيع سلعة ( ليست من الذهب أو الفضة ) من أسواق السلع العالمية أو غيرها ، على المستورق بثمن آجل ، على ان يلتزم المصرف - إما بشرط في العقد أو بحكم العرف والعادة - بأن ينوب عنه في بيعها على مشتر آخر بثمن حاضر ، وتسليم ثمنها للمستورق .

وبعد النظر والدراسة، قرر مجلس المجمع ما يلي:

أولًا: عدم جواز التورق الذي سبق توصيفه في التمهيد للأمور الآتية:

1 )أن التزام البائع في عقد التورق بالوكالة في بيع السلعة لمشتر آخر أو ترتيب من يشترطها يجعلها شبيهة بالعينة الممنوعة شرعًا، سواء أكان الالتزام مشروطًا صراحة أم بحكم العرف والعادة المتبعة .

2 )أن هذه المعاملة تؤدي في كثير من الحالات إلى الإخلال بشروط القبض الشرعي اللازم لصحة المعاملة.

3 )أن واقع هذه المعاملة يقوم على منح تمويل نقدي بزيادة لما سمي بالمستورق فيها من المصرف في معاملات البيع والشراء التي تجري منه والتي هي صورية في معظم أحوالها، هدف البنك من اجرائها أن تعود عليه بزيادة على ما قدم من تمويل.. وهذه المعاملة غير التورق الحقيقي المعروف عند الفقهاء ، وقد سبق للمجمع في دورته الخامسة عشرة أن قال بجوازه بمعاملات حقيقية وشروط محددة بينها قراره.. وذلك لما بينهما من فروق عديدة فصلت القول فيها البحوث المقدمة.. فالتورق الحقيقي يقوم على شراء حقيقي لسلعة بثمن آجل تدخل في ملك المشتري ويقبضها قبضًا حقيقيًا وتقع في ضمانه ، ثم يقوم ببيعها هو بثمن حال لحاجته إليه ، قد يتمكن من الحصول عليه وقد لا يتمكن ، والفرق بين الثمنين الآجل والحال لا يدخل في ملك المصرف الذي طرأ على المعاملة لغرض تبرير الحصول على زيادة لما قدم من تمويل لهذا الشخص بمعاملات صورية في معظم أحوالها ، وهذا لا يتوافر في المعاملة المبينة التي تجريها بعض المصارف .

ثانيًا: يوصي مجلس المجمع جميع المصارف بتجنب المعاملات المحرمة، امتثالًا لأمر الله تعالى .

كما أن المجلس إذ يقدر جهود المصارف الإسلامية في إنقاذ الأمة الإسلامية من بلوى الربا ، فإنه يوصي بأن تستخدم لذلك المعاملات الحقيقية المشروعة دون اللجوء إلى معاملات صورية تؤول إلى كونها تمويلًا محضًا بزيادة ترجع إلى الممول .

وأترككم مع تفصيلِ الشيخِ محمدِ صالح المنجد لقرارِ المجمعِ الفقهي بصوتهِ لإيضاحِ ما قد يشكلُ على البعضِ

للتحميل: حفظٌ باسم

نسألُ اللهَ أن يكونَ في هذا التنبيهِ الكفايةُ لمن كان لهُ قلبٌ .

التورق نافذة الربا في المعاملات المصرفية

د.محمد بن عبد الله الشباني

الحمدُ للهِ وبعدُ ؛

ورد بحثٌ في مجلةِ"البيان"في عددها الأخيرِ بعنوانِ"التورُّق نافذةُ الربا في المعاملاتِ المصرفيةِ"بقلمِ"د . محمد بن عبد الله الشباني"، ونقلت المقالَ ووضعتهُ هنا لعلاقتهِ بالقرارِ الصادرِ من المجمع الفقهي .

? مقدمة:

الواقع المعاصر للمعاملات المالية يتسم بالولوغ في الربا، فلم يقتصر الأمر على الربا الصريح الذي تمارسه البنوك التجارية وغيرها من المؤسسات المالية، ولكن الأمر تعدى ذلك إلى توسيع نطاق الربا تحت مسمى المعاملات الإسلامية. فدخل التعامل الربوي حياة فئات كثيرة من الناس كانت تتحرج من الاقتراض والإقراض الربوي، ولكن وقعوا فيه من خلال ما تم طرحه من فتاوى صادرة من اللجان الشرعية لهذه البنوك تجيز الحصول على المال منها، حيث تتسم تلك الفتاوى بانتهاج أسلوب البحث عن مخارج شرعية لتحليل الربا بإضفاء صيغة البيع على الاقتراض والإقراض الربوي .

وظهرت مسمّيات تزعم بأنها معاملات متوافقة مع الشريعة الإسلامية، وذلك بالاتكاء على الفتاوى الصادرة من اللجان الشرعية لتلك البنوك، وأصبح يُطلق على كثير من عمليات التحايل على التمويل الربوي مسميات مضللة؛ مثل «التورق المبارك» ، و «التمويل المبارك» ، و «تمويل الخير» ، و «التيسير» ، و «تورق الخير» و «برنامج أتقى وأنقى» ، كبديل لما يعرف في البنوك التجارية بالودائع الآجلة، وكل هذه البرامج من الإقراض والاقتراض تحت تلك المسميات ما هي إلا أكل للربا وتأكيله.

ولقد تحقق ما أشار إليه الرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا، فإن لم يأكله أصابه من غباره) ، وفي رواية لأحمد عن أبي هريرة قال: (يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا فمن لم يأكله ناله من غباره) ، وقد ورد في هذا المعنى حديث رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال؛ أم من حلال أم من حرام) .

هذه الظاهرة بدأت في التجذر والاتساع في المعاملات المصرفية لتوسيع نطاق الربا باستخدام ما يعرف في الفقه الإسلامي بصيغة «التورق» في شراء السلع وبيعها، وإدخالها في جميع المعاملات المصرفية ذات الطابع الإقراضي والاقتراضي باعتباره مخرجًا من الربا، سواء فيما يتعلق بتمويل الأفراد والمؤسسات، أو بإعطاء الفائدة للمودعين فيما يُعرف في المصطلح البنكي بالفائدة على الودائع لأجل، واستُخدمت صيغة التورق أداة ومخرجًا للإقراض والاقتراض من قِبَل المصارف، ولهذا فإن من الواجب الشرعي مناقشة حقيقة هذه الصيغة وما ينتج عنها من عقود يتم التعامل بها من قِبَل البنوك التجارية؛ بدارسة كيفية منحها التمويل من خلال بيع المرابحة باستخدام صيغة التورق كحيلة لاستحلال الربا، وهذا ما سنعرضه من خلال الجوانب الآتية:

أولًا: الحيل الفقهية وتعارضها مع مقاصد الشريعة.

ثانيًا: بيع التورق وعلاقته بالحيل الفقهية.

ثالثًا: ماهية الربا وحقيقته.

رابعًا: عقود التورق كما تُمارس من قِبَل البنوك.

خامسًا: ربوية صيغة التورق كما تتم في البنوك.

? أولًا: الحيل الفقهية وتعارضها مع مقاصد الشريعة:

الحيل الفقهية أسلوب من الأساليب التي تُتبع؛ إما للوصول إلى ما حرّمه الله تحت غطاء الشرع، وإما للبحث عن مخارج تحل بعض القضايا التي قد تتعارض في ظاهرها مع القواعد والعلل التي يستند إليها الفقهاء في تحديد الحكم الشرعي لأي قضية من القضايا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت