فهرس الكتاب

الصفحة 509 من 1226

من خصائص هذه الأمة أنها خير الأمم وهي الأمة الوسط فلا إفراط ولا تفريط قال تعالى:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، وقال تعالى:"وكذلك جعلناكم أمة وسطًا". ولهذا كان أهل هذه الأمة خير الناس لتمسكهم بدينهم وعدم اتباعهم للأهواء فهم اخوة متحابين وعلى الخير متعاونين وعن الشر متناهين فسمتهم الألفة والمحبة والتعاون والتعاطف والتراحم ، ولكن للأسف فقد شذ البعض لاتباعهم الهوى والشهوات فأوقعوا أنفسهم في أمراض القلوب وأدوائها فأذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا فهم ما بين غيبة ونميمة وسخرية واستهزاء وكراهية وبغضاء وكذب وشحناء وغير ذلك من أدواء القلوب التي من نتائجها ضيق القلوب وغضب علام الغيوب .

فكل تلك الأمور محرمة منهي عنها شرعًا .

فأما الغيبة فيقول الله تعالى:"ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم"، وقال r:"إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب" [ متفق عليه ] .

وجاء تحريم الغيبة صريحًا في الكتاب والسنة لتحذير المسلمين من الوقوع فيها لأنها من أسباب العذاب وهي من كبائر الذنوب كما عدها الذهبي رحمه الله في كتابه الكبائر وأوردها بن حجر في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر وعدها من الموبقات المهلكات والعياذ بالله وقد جاء تعريف الغيبة صريحًا في الحديث الذي رواه أبو هريرة t أن رسول الله r قال:"أتدرون ما الغيبة ؟"قالوا: الله ورسوله أعلم ؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره ، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" [ أخرجه مسلم ] ."

وأما النميمة فهي أشد خطرًا وأعظم فتكًا من الغيبة لأنها تسبب التفكك الأسري والاجتماعي فكم من أسر تفككت وكم من بيوت دُمرت وكم من نيران اشتعلت وكل ذلك بسبب النميمة والتي قال الله فيها:"هماز مشاءٍ بنميم" [ القلم 11 ] ويقول النبي r:"لا يدخل الجنة نمام" [ متفق عليه ] .

وعن بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله r مر بقبرين فقال:"إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير بلى إنه كبير: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله" [ متفق عليه ] .

قال العلماء: معنى وما يعذبان في كبير: أي كبير في زعمهما وقيل كبير تركه عليهما .

فالنميمة هي: نقل الكلام من شخص إلى آخر بقصد الإفساد والتفريق بين الناس .

الدرس السابع: تذكر الآخرة والتزود لها:

جعل الله تعالى الدنيا ميدان سباق يتسابق فيه الناس بالخيرات لأجل الفوز بالجنات والنجاة من يوم الحسرات فالناس في هذه الدنيا فريقان شقي وسعيد فأما من عصى الله ورسوله واتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني فهو الهالك ، من رضي الدنيا وطنًا وسكنًا ومقرًا هو الخاسر ، من طغى وآثر الحياة الدنيا على الحياة الأخرى فإن الجحيم هي المأوى ، من ركن إلى الدنيا وبهرجتها من رضي الهوى إله من دون الله وأعطى نفسه هواها فهو صاحب التجارة المزجاة ، من اتخذ الشيطان وليًا من دون الله فقد باْ بعذاب الله .

قال تعالى:"إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني بئس للظالمين بدلًا" [ الكهف 50 ] ، ويقول تعالى:"فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق % خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد" [ هود 106 - 107 ] ، وقال تعالى:"وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون" [ العنكبوت 64 ] ، وقال تعالى:"ألهاكم التكاثر % حتى زرتم المقابر ) [ التكاثر ] ، وقال r:"إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها" [ متفق عليه ] ، وقال r:"اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة" [ متفق عليه ] ."

فاحذر أيها الحاج من الدنيا وزينتها وأحذر من الدنيا وزخرفها فإنها براقة خداعه جميلة مكارة فانظر كم مات قبلك من الرفعاء والوضعاء وكم فارق الدنيا من الصغار والكبار فهل تحسب أنك ستخلد في هذه الدنيا ؟ لا والله مصداقًا لقول ربنا جل وعلا ( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون % كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون" [ الأنبياء 34-35 ] ."

وأما من عصى الهوى وكبح جماح النفس وأرضى الرحمن وأغضب الشيطان فأولئك هم المفلحون .

من خاف مقام الله عز وجل وأطاع الرسول r أولئك هم الفائزون أولئك الذين يبشرهم ربهم برحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطًا مستقيمًا.

من تمسك بعُرى الدين والتزم أوامر الشريعة وترك مجالات الأهواء واعتصم برب الأرض والسماء فأولئك هم السعداء أولئك الذين تاجروا مع ربهم التجارة الرابحة التجارة التي لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله .

من تركوا الدنيا واتجهوا للآخرة من تركوا الشهوات وأقبلوا على الطاعات راجين الحسنات وجلين من السيئات أولئك هم حزب الله حافظه وراعيه أتراه يضل؟ كلا والله قال تعالى:"فالله خيرُُ حافظًا وهو أرحم الراحمين" [ يوسف ]

فهلا أقبلت أيها الحاج على الأعمال الصالحة؟ فإنك والله مرتحل من هذه الدنيا ومقبل على رب رؤوف رحيم شديد العقاب .

واحمد الله عز وجل أن أبقاك إلى هذا العمر فقد أعذرك الله وسيؤاخذك على أقوالك وأعمالك فتزود بالتقوى والإخلاص وتجرد من الهوى والشيطان قال r:"أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة" [ أخرجه البخاري ] .

وأكثر من ذكر الله عز وجل على كل حال فأنت مرتهن بعملك، قال r:"يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله ، فيرجع اثنان ، ويبقى معه واحد يرجع أهله وماله ويبقى عمله" [ متفق عليه ] .

الدرس الثامن: وسائل الفساد:

يجب على المسلم أن يطهر بيته من كل شائبة وقادحة فالبيت عنوان أهله فإن وجدت البيت يضج بكلام الله تعالى وكلام سيد المرسلين r ونسمع أزيز القراء في البيت فبشر أهله بخير بإذن الله تعالى لأن هذا هو البيت المسلم حقًا من التزم أهله الآداب الإسلامية وتحلوا بالأخلاق الإيمانية فتجد هذا البيت من دروس يومية أبوية إلى سماع لإذاعة القرآن الكريم إلى تسميع لحفظة كتاب الله العظيم إلى حفظ المتون إلى قراءة في كتب الصالحين وحفظ للأذكار فهو بيت كله ذكر وقرآن فأهله مع الله ومعلقة قلوبهم بالله ومن كان مع الله فالله معه ولن يضيعه أبدًا .

أما البيت الآخر فأهله جياع عراة من العلم فالبيت تعلوه الكآبة وترتسم عليه العبوسة فما إن تمر بجانبه إلا ودندنة خبيثة محرمة أو صوت مسلسل ساقط ماجن أو حفل ساهر ساخط ولعب لورقة محرمة أو مشاهدة لفضائية مدمرة فأهل البيت أغرتهم المنكرات وألهتهم المنكرات وألهتهم المحرمات فشرب للدخان والشيشة وقول للحرام من غيبة ونميمة واستهزاء وسخرية فهم ما بين قيل وقال وكلام بطال والأدهى والأمر من ذلك من يفعل هذه المنكرات أثناء الحج .

فأهل ذلك البيت ساهرون بالليل نائمون بالنهار والله يقول:"وهو الذي جعل لكم الليل لباسًا والنوم سباتًا وجعل النهار نشورًا" [ الفرقان 47 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت