فهرس الكتاب

الصفحة 495 من 1226

وأيضًا قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعطى الزائد في قرض

الأموال الربوية - أعني المكيل والموزون - كما روى أبو هريرة قال: أتى النبي

صلى الله عليه وسلم رجل يتقاضاه قد استسلف منه شطر وسق فأعطاه وسقًا فقال

( نصف وسق لك ونصف وسق من عندي ) ثم جاء صاحب الوسق يتقاضاه فأعطاه

وسقين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وسق لك ووسق من عندي ) أخرجه

المنذري في الترغيب وقال: رواه البزار وإسناده حسن .

ومن حديث ابن عباس قال: استسلف النبي صلى الله عليه وسلم من رجل

من الأنصار أربعين صاعًا فاحتاج الأنصاري فأتاه فقال رسول الله صلى الله عليه

وسلم:( ما جاءنا من شيء ، فقال الرجل وأراد أن يتكلم ، فقال صلى الله عليه

وسلم: لا تقل إلا خيرًا فأنا خير من تسلف )فأعطاه أربعين فضلًا وأربعين أسلفه

فأعطاه ثمانين ، قال البزار: لم أسمعه إلا من أحمد وهو ثقة ، وأخرجه المنذري

وقال: إسناده جيد ، وقال الهيتمي: رجاله رجال الصحيح خلا شيخ البزار وهو ثقة .

ومن حديث أبي هريرة أخرجه البيهقي برجال الصحيح في السنن الكبرى قال:

أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلف فاستسلف له رسول الله صلى الله

عليه وسلم شطر وسق فأعطاه إياه ، فجاء الرجل يتقاضاه فأعطاه وسقًا وقال

( نصف لك قضاء ونصف لك نائل من عندي ) وهذه أحاديث صحيحة يحتج بها فلا

يعارضها مثل حديث السوار المتروك والآثار الغير المرفوعة ، وأما كونه ربًا عند

الشرط فهو لا يصح أيضًا لما روي من أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه راطل

أبا رافع ، فرجحت الدراهم ، فقال أبو رافع: هو لك أنا أحله لك ، فقال أبو بكر: إن

أحللته فإن الله لم يحله لي ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول( الزائد

والمزاد في النار )أو هكذا لأن فيه دلالة على أن الزيادة بغير شرط أيضًا حرام ،

أعني أن الزيادة التي هي الربا شرعًا حرام شرطت أو لم تشترط ، فلو كانت الزيادة

في القرض ربا لكانت حرامًا بدون شرط أيضًا مع أن الزيادة في القرض بدون

الشرط مباح باتفاق الأمة ، فثبت أنها ليست بربا .

قال ابن نجيم في البحر: إذا لم تكن [33] المنفعة مشروطة فلا بأس به ، وفي

البزازية من كتاب الصرف ما يقتضي ترجيح الثاني ، قال ولا بأس بقبول هدية

الغريم وإجابة دعوته بلا شرط ، وكذا إذا قضى أجود مما قبض يحل بلا شرط اهـ

كتاب الحوالة .

وأما ما قيل إنه لا حجة في إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة في

الديوان والقرض لأنه مخصوص به ، وهو إمام وللإمام حق العطاء ، فيكون ما

يعطي الإمام حلالًا ، ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث ليُقتدى به في كل فعل

حتى يقوم دليل على اختصاصه به ، وليس هنا دليل على اختصاصه به صلى الله

عليه وسلم .

وكذا لا يصح تفسير إجمال الآية بحديث أنس والآثار المروية عن أُبي بن

كعب وابن عباس ، أما أولًا فلأنه ليس فيها ذكر الربا فلا يتعين أن النهي والأمر

بالاجتناب لكونه ربا ، وأما ثانيًا فلما مرَّ عن شرح كشف الأسرار بأنه لابد أن يكون

مفسر إجمال القرآن قطعي الدلالة وقطعي الثبوت ، وحديث أنس وآثار أبي بن

كعب وابن عباس لسن بهذه المثابة لا باعتبار الدلالة ولا باعتبار الثبوت .

أما حديث أنس فأخرجه ابن ماجه بلفظ( إذا أقرض أحدكم قرضًا فأهدى إليه

أو حمله على الدابة فلا يركبه ولا يقبلها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك )

والراوي فيه عن أنس مجهول ، وكذا فيه عتبة بن حميد الضبي البصري قال أبو

طالب عن أحمد هو ضعيف ليس بالقوي ، وفيه إسماعيل بن عياش الحمصي وهو

مختلَف فيه وضعيف بالإجماع إذا روى عن غير أهل بلده ، وأخرجه ابن تيمية في

المنتقى بلفظ ( إذا أقرض الرجل الرجل فلا يأخذ هدية ) وقال: أخرجه البخاري في

تاريخه فما ظفرت على سنده حتى أحكم على جودته وصحته ليثبت منه الحرمة ،

وليس ببعيد أن يكون مختصرًا من حديث ابن ماجه فيعود الجرح والتعديل ، مع هذا

هو خلاف ما عليه الأمة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا .

أما أثر أبي بن كعب أنه قال لزر بن حبيش: إنك بأرض الربا فيها كثير فاش ،

فإذا أقرضت رجلًا فأهدى إليك هدية فخذ قرضك واردد هديته - ففيه كلثوم بن

الأقمر: مجهول ، وكذلك ما روى ابن سيرين أن أبي بن كعب أهدى إلى عمر بن

الخطاب من تمر أرضه فردّها ، فقال أبي: لم رددت عليّ هديتي وقد علمت أني

من أطيب أهل المدينة تمرة ؟ فخذ عني ما ترد علي هديتي ، وكان عمر أسلفه عشرة آلاف درهم . قال البيهقي: هذا منقطع ، أي ليس بمتصل إلى أبي أيضًا .

وكذلك ما روى أبو صالح عن ابن عباس قال في رجل كان له على رجل

عشرون درهمًا ، فجعل يهدي إليه فجعل كلما يهدي إليه هدية باعها حتى إذا بلغ

ثمنها ثلاثة عشر درهمًا ، فقال ابن عباس لا تأخذ منه إلا سبعة دراهم - لأن أبا

صالح لم يسمع من ابن عباس فالرواية منقطعة ، وكذلك ما روى سالم بن أبي الجعد:

كان لنا جار سمَّاك عليه لرجل خمسون درهمًا فكان يهدي إليه السمك ، فأتى ابن

عباس فقال: قاصه بما أهدى إليك . وأثر [34] فضالة بن عبيد مع ضعفه أيضًا ليس

فيه لفظ الربا حتى يفسر به الإجمال ، بل لفظه: كل قرض جر منفعة فهو وجه من

وجوه الربا - فظاهره يدل على أنه ليس بربا ، بل له شبه من الربا ، وهذه الآثار

والأحاديث كلها أخرجها البيهقي في السنن .

( للفتوى بقية )

(( يتبع بمقال تالٍ ) )

(1) قال فخر الإسلام البزدوي في كشف الأسرار: أما المجمل فما لا يدرك لغة لمعنى زائد ثبت شرعًا . قال شارح البخاري كالربا ؛ فإنه اسم للزيادة وهي بنفسها ليست بمرادة اهـ (ص43-ج1) وقال في موضع آخر: ثم المجمل وهو ما ازدحمت فيه المعاني واشتبه المراد اشتباهًا لا يُدرك بنفس العبارة ، بل بالرجوع إلى الاستفسار ، ثم الطلب ، ثم التأمل ، وذلك مثل قوله تعالى: [ وَحَرَّمَ الرِّبَا ] (البقرة: 275) فإنه لا يُدرك بمعاني اللغة بحال ، وكذلك الصلاة والزكاة ، وقال شارحه: فإن مطلق الزيادة التي يدل عليها لفظ الربا ، وكذلك الدعاء والنماء اللذان يدل عليهما لفظ الصلاة والزكاة لم يبقيا بمرادين بيقين ، ونقلت هذه الألفاظ إلى معان أخر شرعية ، إما مع رعاية المعنى اللغوي أو بدونه فلا يوقف عليه إلا بالتوقيف كما في الوضع الأول (ص155-ج-1) وقال أيضًا: لأن المجمل ثلاثة أنواع ، نوع لا يُفهم معناه لغة كالهلوع قبل التفسير ، ونوع معناه مفهوم لغة ؛ ولكنه ليس بمراد كالربا والصلاة والزكاة (شرح كشف ص 54 ج - 1 وغاية التحقيق شرح الحسامي) ثم قال شارح الحسامي: كآية الربا فإنها مجملة إذ الربا عبارة عن الفضل لغة ، والفضل نفسه ليس بمراد بيقين إذ البيع لم يُشرَّع إلا للاسترباح وتحصيل الفضل فإن كل واحد من المتباعين ما لم ير فضلًا في البدل المطلوب له لا يبذل ملكه بمقابلته (غاية التحقيق) قال العيني في البناية: وليس المراد مطلق الفضل بالإجماع وإن فتح الأسواق في سائر بلاد المسلمين للاستفضال والاسترباح اهـ (شرح هداية كتاب البيوع) وقال الجصاص الرازي بعد تصريح: إجمال الربا لا يصح الاحتجاج بعمومه ؛ وإنما يحتاج إلى أن يثبت بدليل آخر أنه ربا حتى يحرمه بالآية اهـ أحكام القرآن (ص 464 ج-1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت