فهرس الكتاب

الصفحة 494 من 1226

العوام والخواص بلفظ ( كل قرض جر منفعة فهو ربا ) لا يجوز أن يقع تفسيرًا

للقرآن ؛ لأنه غير ثابت ولا أصل له ، قال ابن حجر: فيه الحارث بن أسامة ،

وإسناده

ساقط ، وقال الحافظ جمال الدين الزيلعي في نص الرواية: ذكره عبد الحق في

أحكامه في البيوع وأعله بسوار بن مصعب وقال: إنه متروك ، وكذا نقل عن أبي

الجهم في جزئه أن إسناده ساقط وسوار متروك الحديث ، قال البخاري في كتابه

( الضعفاء الصغير ) سوار بن مصعب منكر الحديث ، وقال يحيى: يجيء إلينا وليس

بشيء ، وقال النسائي وغيره: متروك ، وكذا قال ابن الهمام في الفتح ، ولذا قال: هو

أحسن ما ههنا عن الصحابة [21] وعن السلف ؛ لأن هذا الحديث عنده كان غير صالح

للاحتجاج ، وعلم منه أنه ليس في الباب حديث صحيح قابل للاحتجاج .

ونقل الحافظ ابن حجر في التلخيص عن عمر بن بدر أنه قال في المغني: لم

يصح فيه شيء اهـ . وأما ما قال الغزالي وشيخه: أنه صح ، قال الشوكاني في

النيل: لا خبرة لهما بهذا الفن ، ويدل على هذا المعنى ما قال المفسر الخازن:

( المسألة الرابعة ) في القرض وهو من أقرض شيئًا وشرط عليه أن يرد عليه أفضل

منه فهو قرض جر منفعة ، وكل قرض جر منفعة فهو ربا ، ويدل عليه ما روي عن

مالك قال بلغني أن رجلًا أتى ابن عمر ... إلخ [22] . لأنه لو كان عنده حديث( كل

قرض )صحيحًا قابلًا للحجة لم يعدل عنه إلى أثر ابن عمر ، وكذا العلامة العيني

نقل أولًا تضعيف هذا الحديث عن غير واحد من الأئمة ، ثم قال: قال الأترازي

مع دعاويه العريضة: والأصل فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قرض

جر نفعًا وسكت عنه ، وكذا قاله الأكمل وسكت عنه مع أنه [23] كان في ديار

الحديث وكتبه المنوعة والله أعلم ( شرح هداية ) وفيه دلالة على أن [هذا] الحديث

ليس له طريق صحيح وإلا لأتى به ، وكذا لو كان في معناه حديث صحيح لم يترك

إيراده في هذا المقام .

وكذا لا يصح [24] تفسير إجمال الآية بالحديث [25] الموقوف على عبد الله بن سلام الذي رواه بردة عند البخاري بلفظ: قال: أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام ،

فقال: ألا تجيء فأطعمك سويقًا وتمرًا وتدخل في بيت ؟ ثم قال: إنك بأرض الربا

فيها فاشٍ إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل

قت فلا تأخذه . لأنه لابد للتفسير من بيان الشارع عليه السلام ، وهذا الحديث [26]

الموقوف ليس في حكم المرفوع ، وثانيًا أنه متروك العمل باتفاق الأمة ، وثالثًا

تعارضه الأحاديث الصحيحة ، ورابعًا لما قال العلامة عبد العزيز البخاري في شرح

كشف الأسرار للبزودي في تفسيره البيان القاطع الذي يلحق المجمل: احتراز عما

ليس بقاطع ثبوتًا أو دلالة حتى لا يصير المجمل مفسرًا بخبر الواحد وإن كان قطعي

الدلالة ولا بيان فيه احتمال ، وإن كان قطعي الثبوت - وكذا أثر عبد الله بن مسعود

رضي الله عنه الذي رواه يونس و خالد بن سيرين عن عبد الله بن مسعود أنه سئل

عن رجل استقرض من رجل دراهم ثم إن المستقرض أفقر من المقرض ظهر دابته

فقال عبد الله: ما أصاب من ظهر دابته فهو ربا - لما بيَّنا ولما قال البيهقي: قال

الشيخ أحمد: هذا منقطع ( إزالة ) لو قيل: لمَ لا يجوز أن يكون هذا الأثر الموقوف

في حكم الحديث المرفوع ؟ قلنا: له شرط وهو أن لا يكون مدركًا بالقياس ، وههنا هو

مدرك بالقياس كما صرَّح العلماء بذلك ، قال ابن رشد الفقيه المالكي في المقدمات: إن

رجلًا أتى عبد الله بن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن إني أسلفت رجلًا واشترطت

أفضل مما أسلفته ، فقال عبد الله بن عمر ذلك الحديث بطوله ، وقال رضي الله عنه:

من أسلف سلفًا فلا يشترط أفضل منه ، وإن كان قبضة من علف فهو ربا . اهـ .

فهذا الفقيه أنكر كونه ربًا منصوصًا وجعله ربًا قياسيًّا كما يدل عليه قوله: وتفسير ذلك

(أي قول ابن عمر فهو ربا) أنه مقيس على الربا المحرم بالقرآن ، ربا الجاهلية: إما

أن تقضي وإما أن تربي ؛ لأن تأخيره الدين بعد حلوله على أن يزاد له فيه سلف جر

منفعة [27] على أن الفقهاء لم يتمسكوا بهذا الحديث والأثر من لدن رسول الله صلى الله

عليه وسلم إلى زماننا هذا ، ولم يفتوا بحرمة أمثال هذه المنافع مطلقًا ، بل اتفقوا على

أنها لا تكون ربًا إلا أن تكون مشروطة في العقد ، وهذا خلاف ما دلت عليه هذه الآثار

والأحاديث الواردة في هذا الباب لأنها تدل على حرمة كل منفعة سواء شرطت أو لم

تشترط مع أنها بدون الشرط جائزة بالاتفاق ، قال العيني: وفيه ما يدل أن المقرض

إذا أعطاه المستقرض أفضل مما اقترض جنسًا أو كيلًا أو وزنًا أن ذلك [28] معروف

وأنه يطيب له أخذه منه ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أثنى فيه على من أحسن القضاء ،

وأطلق ذلك ولم يقيِّده ( قلت ) هذا عند جماعة العلماء إذا لم يكن عن شرط منهما حين

السلف ، وقد أجمع المسلمون نقلًا [29] عن النبي صلى الله عليه وسلم أن اشتراط

الزيادة في السلف ربا . اهـ [30] .

قال ابن حجر في باب استقراض الإبل تحت حديث أبي هريرة: وفيه جواز

وفاء ما هو أفضل من المثل المقترض إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد ، فيحرم حينئذ

اتفاقًا ، وبه قال الجمهور . اهـ . ولما كان هذا الأثر عن عبد الله بن سلام مخالفًا لما

عليه الجمهور تأول ابن حجر قوله رضي الله عنه: ( فإنه ربا ) وقال: يحتمل

أن يكون ذلك رأي عبد الله بن سلام ، وإلا فالفقهاء على أنه يكون ربًا إذا شرط ، نعم

الورع تركه . ا هـ . وأيضًا لما أخرج البخاري هذا الحديث بطريق آخر وليس فيه

ذكر الربا ، فهناك قال ابن حجر: زاد البخاري في مناقب عبد الله بن سلام ذكر

الربا ، وههنا فسر الربا المراد في قوله رضي الله عنه بقوله: وإن من اقترض قرضًا

فتقاضاه إذا حل فأهدى إليه المديون هدية كانت من جملة الربا [31] فثبت من هذه

الأقوال أنه لم يقل أحد من العلماء: إن الفضل والزيادة إذا كانت غير مشروطة في

القرض عند العقد أنه ربا سواء كان في صورة الهدية أم في صورة العارية أم في

غيرهما ، فهذا الأثر وما ورد نحوه غير معمول به عند الأمة .

وقد ذهب الجمهور إلى جواز ما كان بدون شرط في العقد لما دلت عليه

الأحاديث الصحيحة والحسان المحتج بها بإعطاء الزيادة في ديون البيع والقرض

أخرج الشيخان عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

لبلال ( أعطه أوقية من ذهب وزده ) فأعطاني أوقية من ذهب وزادني قيراطًا [32] .

ولفظ البخاري: ( فوزن لي بلال فأرجح في الميزان ) قال النووي في شرحه:

فيه استحباب الزيادة في أداء الدَّين وإرجاح الوزن ، وقد روى هذا الحديث فوق

عشرة عن جابر ، وأيضًا قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم إعطاء الزيادة في

قرض الحيوان كما في حديث أبي رافع ، قال: استسلف رسول الله صلى الله عليه

وسلم بكرًا فجاءته إبل من الصدقة . قال أبو رافع: فأمر لي أن أقضي الرجل بكره ،

فقلت: لا أجد إلا جملًا خياريًّا رباعيًّا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أعطه إياه فإن خير الناس أحسنهم قضاء ) أخرجه مالك ومسلم والأربعة ، وكما في حديث

أبي هريرة أخرجه الشيخان و الترمذي مختصرًا ومطولًا: أن رجلًا تقاضى رسول

الله صلى الله عليه وسلم فأغلظ له فَهَمّ به أصحابه فقال:( دعوه فإن لصاحب الحق

مقالًا ، واشتروا له بعيرًا فأعطوه إياه ، قالوا: لا نجد إلا أفضل من سنه ، قال:

اشتروه فأعطوه إياه ، فإن خيركم أحسنكم قضاء ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت