فهرس الكتاب

الصفحة 493 من 1226

من هذه الأشياء لم يجعل الشارع المساواة باعتبار التساوي كيلًا ووزنًا حتى لم يحرم

في هذه الصورة الفضل كيلًا أو وزنًا ؛ لأنه أمر غير معقول ، بل جعل المساواة

المطلوبة ما تراضى عليها العاقدان والبيعان من كون أحدهما مساويًا للآخر ، نعم جعل

للنقد مزية على النسيئة فيكون الأجل ربا ولا يعد التراضي فيه شيئًا بل يصير ملغى ،

وإذا اختلف جنس البدلين من غير هذه الستة بأن يكون المكيل في طرف وغيره في

طرف آخر ، فالمساواة المطلوبة هي ما تراضى عليها العاقدان ، ولم يكن الأجل ربا

في هذه الصورة لأنه خلاف القياس ، ونحوه ينحصر فيما ورد فيه النص بشرط أن

يكون الأجل من أحد المتعاقدين لا من كليهما لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع

الكالئ بالكالئ وإذا عين الأجل بالتراضي ، فإذا حل الأجل ولم يقض المديون وطلب

النظرة وزاد بها في الثمن فتكون هذه الزيادة ربا أيضًا ؛ لأنه فضل على ما تراضى

عليه البيعان أولًا وجعلاه مساويًا للآخر ، فهذه الزيادة لا محالة تكون بمقابلة الأجل ولا

قيمة للأجل مستقلاًّ عند الشارع ، فتكون هذه الزيادة فضلًا محضًا وهو عين الربا .

الحاصل أن هذه الأحاديث المفسرة لربا القرآن تدل على أن في بيع أحد

المتجانسين من الأشياء الستة وما في حكمها الفضل والأجل: كلاهما ربا ، وفي بيع

أحد المتجانسين منها بخلاف جنسه: الأجل فقط ربا ، لا الفضل ، وهو ربا النسيئة ،

وفي البيع بثمن بمؤجل ما يزاد على النسيئة أي الثمن المؤجل عند حلول الأجل

بمقابلة الأجل ربا وهو الربا في النسيئة ، وجميع هذه الأقسام تنحصر في البيع ،

فالربا ثلاثة أنواع وكل منها حرام بالقرآن ؛ لأن المجمل من الكتاب إذا لحقه البيان

كان الحكم بعده مضافًا إلى الكتاب لا إلى البيان في الصحيح [11] الاثنان منها ما

يفسره حديث عبادة بن الصامت ، وأبي سعيد وغيرهما ، والثالث ما يفسره حديث

أسامة بن زيد .

قال القسطلاني في شرح البخاري: وهو ( أي الربا ) ثلاثة أنواع ، ربا

الفضل وهو البيع مع زيادة أحد العوضين على الآخر ، وربا اليد وهو البيع مع

تأخير قبضهما أو قبض أحدهما وربا النساء [12] وهو البيع لأجل وكل منها حرام

قال صاحب تفسير السراج المنير: وهو لغةً: الزيادة ، وشرعًا: عقد على

عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد ، أو مع تأخير في

البدلين أو أحدهما ، وهو ثلاثة أنواع: ربا الفضل وهو البيع مع زيادة أحد العوضين

على الآخر ، وربا اليد وهو البيع مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما ، وربا النساء

وهو البيع إلى أجل ، وفي هذه الأقوال دلالة واضحة على أن الأنواع الثلاثة للربا

منحصرة في البيع ، فعلى هذا لا يوجد الربا في عقد خلا البيع ، قال ابن كثير في

تفسير سورة الروم: وقال ابن عباس: الربا ربوان ، فربا لا يصح ، يعني ربا البيع ،

وربا لا بأس به وهو هدية الرجل يريد فضلها وأضعافها [14] ، وفيه تصريح منه

رضي الله عنه على أن الربا الذي لا يجوز هو ربا البيع فقط ، وما خلا ربا البيع فلا

بأس به . قال العلامة العيني في شرح الهداية: ولما فرغ عن بيان أبواب البيوع التي

أمر الشارع بمباشرتها بقوله: { وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ } ( الجمعة: 10 ) مع أنواعها

صحيحها وفاسدها شرع في بيان أبواب البيوع التي نهى الشارع عنها بقوله تعالى:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا } ( آل عمران: 130 ) اهـ . ثم قال: وقال

علماؤنا: هو نوع بيع فيه فضل مستحَق لأحد المتعاقدين خالٍ مما يقابله من عوض

شرط في هذا العقد اهـ . وكذا في العناية ، ولذا قال العلامة السرخسي في حده: وفي

الشريعة: هو الفضل الخالي عن العوض المشروط [15] في البيع ( مبسوط ) وما قال

صاحب الهداية: أعني: الربا هو الفضل المستحق لأحد المتعاقدين في المعاوضة

الخالي عن عوض شرط فيه فيأول إليه . قال شارحه: الربا هو الفضل الخالي عن

العوض المشروط في البيع ( عناية ) وفي الملتقى: الربا فضل مال خالٍ عن عوض

شرط لأحد العاقدين في معاوضة [16] مال بمال ، وفي العالمكيرية: الربا في الشريعة

عبارة عن فضل مال لا يقابله عوض في معاوضة مال بمال .

قال صدر الشريعة في التوضيح: وأما المخصوص بالكلام فعند الكرخي لا

يبقى حجة أصلًا معلومًا كان أو مجهولًا كالربا حيث خص من قوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ

البَيْعَ ( البقرة: 275 ) اهـ . يعني أن البيع عام يشمل الربا وغيره ، وخص

منه الربا فلو لم يكن الربا فردًا من أفراد البيع وداخلًا تحته كيف يصح تخصيصه من البيع ؟ قال فخر الإسلام البزدوي: وخص الربا من قوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ

وَحَرَّمَ الرِّبَا ( البقرة: 275 ) اهـ . وقال ابن عابدين الشامي: الربا خص من

{ وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ } ( البقرة: 275 ) بقوله تعالى: { وَحَرَّمَ الرِّبَا } ( البقرة:

275 ) ( نسمات ) .

قال الملا أحمد جيون: نظير الخصوص المعلوم والمجهول قوله تعالى:

{ وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } ( البقرة: 275 ) فإن البيع لفظ عام لدخول لام

الجنس فيه ، وقد خص الله منه الربا وهو في اللغة الفضل ، ولا يُعلم أي الفضل يُراد

به ؟ لأن البيع لم يشرع إلا للفضل فهو حينئذ نظير الخصوص المجهول ، ثم بيَّنه

النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:( الحنطة بالحنطة ، والشعير بالشعير ، والتمر

بالتمر )الحديث ( نور الأنوار ) .

خلاصة الكلام أن القرآن حرَّم الربا ، وكان لفظ الربا فيه مجملًا والسنة

الصحيحة فسرته بالأقسام التي كلها تندرج في البيع ؛ ولهذا خصص الفقهاء الربا

بالبيع ، قال العلامة الشاشي في حده: الربا هو الزيادة الخالية عن العوض في بيع

المقدرات المتجانسة . وفي النقاية: الربا هو فضل خالٍ عن عوض بمعيار شرعي

بشرط أحد المتعاقدين في المعاوضة ( منح الغفار شرح تنوير الأبصار ) .

قال محمد رحمه الله: والربا إنما يتحقق في البيع لا في التبرع بعد قوله ؛

لأن القرض أسرع جوازًا من البيع ؛ لأنه مبادلة صورة تبرع حكمًا اهـ( نشر

العرف )قال شيخ الإسلام المرغيناني: وهو الربا يعمل في المعاوضات دون

التبرعات ( كتاب الهبة ) قال ابن عابدين ناقلًا عن الزيلعي: وهو ( أي الربا )

مختص بالمعاوضة المالية دون غيرها من المعاوضات والتبرعات [17] .

وقال العلامة الشيخ زادة في مجتمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر: وهو

مختص بالمعاوضات المالية دون غيرها من غير المالية والتبرعات ، وقال ملك

العلماء العلامة الكاساني: فلا يتحقق الربا إذ هو مختص [18] بالبياعات وعليه يدل

ما مر عن المبسوط والهداية وغيرهما .

فحينئذ ظهر أن النفع المعين المشروط في القرض ليس من الربا المنصوص ؛

لأن الآية كانت مجملة لا يُفهم منها المراد والأحاديث المفسرة لها كلها في البيع لا

في غيره ؛ ولهذا صرَّح فقهاؤنا بأن الربا يتحقق في البيع لا في التبرع ؛ ولعلهم

أنكروا [19] كونه نصيًّا كما يدل عليه ما قال ملك العلماء في البدائع ؛ ولأن الزيادة

المشروطة تشبه الربا [20] فلا يكون الشبيه بالربا عين الربا ، وأيضًا يظهر من كلام

العلامة العيني أن هذا النفع عنده ليس هو الربا المنصوص ؛ لأنه يظهر من كلامه

الذي سيأتي أنه لم يظفر بحديث صحيح في هذا الباب بعد تجشمه وتفحصه مع سعة

نظره وكثرة اطلاعه على الحديث وطرقه ولو كان منصوصًا لم يحتج إلى هذا

التجشم والتفحص .

والحديث الذي أخرجه صاحب ( بلوغ المرام ) عن علي وجرى على ألسنة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت