وقد روى البخاري عن سمرة بن جندب في حديث المنام الطويل: « فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول أحمر مثل الدم وإذا في النهر رجل سابح يسبح ، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة ، وإذا ذلك السابح يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع الحجارة عنده فيفغر له فاه فيلقمه حجرا » (3) وذكر في تفسيره أنه آكل الربا .
وقوله: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } (4) أي إنما جوزوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه ، وليس هذا قياسا منهم
(1) سورة البقرة الآية 275
(2) سنن ابن ماجه التجارات (2273) .
(3) صحيح البخاري التعبير (6640) ,مسند أحمد بن حنبل (5/9) .
(4) سورة البقرة الآية 275
للربا على البيع ؛ لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن ، ولو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع وإنما قالوا (إنما البيع مثل الربا) أي هو نظيره فلم حرم هذا وأبيح هذا؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع أي هذا مثل هذا وقد أحل هذا وحرم هذا .
وقوله تعالى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } (1) يحتمل أن يكون من تمام الكلام ردا عليهم ؛ أي على ما قالوه من الاعتراض مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حكما ، وهو العليم الحكيم الذي لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها ، وما ينفع عباده فيبيحه لهم وما يضرهم فينهاهم عنه ، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل ، ولهذا قال: { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ } (2) ؛ أي من بلغه نهي الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه فله ما سلف من المعاملة لقوله: { عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ } (3) وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: « وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين ، وأول ربا أضع ربا العباس » (4) ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية بل عفا عما سلف ، كما قال تعالى: { فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ } (5) قال سعيد بن جبير والسدي: فله ما سلف ما كان أكل من الربا قبل التحريم .
وقال ابن أبي حاتم: قرأ علي محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أخبرنا ابن وهب أخبرني جرير بن حازم عن أبي إسحاق الهمداني عن أم يونس يعني امرأته العالية بنت أبقع أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لها أم محبة أم ولد زيد بن أرقم: يا أم المؤمنين أتعرفين زيد بن أرقم ؟ قالت: نعم ، قالت: فإني بعته عبدا إلى العطاء بثمانمائة فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته قبل محل الأجل بستمائة ، فقالت: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت ، أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب ، قالت: فقلت: أرأيت
(1) سورة البقرة الآية 275
(2) سورة البقرة الآية 275
(3) سورة المائدة الآية 95
(4) صحيح مسلم الحج (1218) ,سنن أبو داود المناسك (1905) ,سنن ابن ماجه المناسك (3074) ,سنن الدارمي المناسك (1850) .
(5) سورة البقرة الآية 275
إن تركت المائتين وأخذت الستمائة قالت: نعم { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ } (1) وهذا الأثر مشهور وهو دليل لمن حرم مسألة العينة مع ما جاء فيها من الأحاديث المذكورة المقررة في كتاب الأحكام ، ولله الحمد والمنة .
ثم قال تعالى: { وَمَنْ عَادَ } (2) أي إلى الربا ففعله بعد بلوغه نهي الله عنه فقد استوجب العقوبة وقامت عليه الحجة ، ولهذا قال: { فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } (3) وقد قال أبو داود: حدثنا يحيى أبو داود حدثنا يحيى بن معين أخبرنا عبد الله بن رجاء المكي عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر قال: لما نزلت { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } (4) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله » (5) ورواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي خيثم ، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وإنما حرمت المخابرة وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض ، والمزابنة وهي اشتراء الرطب في رؤوس النخل بالتمر على وجه الأرض ، والمحاقلة وهي اشتراء الحب في سنبله في الحقل بالحب على وجه الأرض ، إنما حرمت هذه الأشياء وما شاكلها حسما لمادة الربا ؛ لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف ، ولهذا قال الفقهاء: الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة ، ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المالك المفضية إلى الربا والوسائل الموصلة إليه وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب الله لكل منهم من العلم ، وقد قال تعالى: { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } (6) .
باب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه: الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا- يعني بذلك بعض المسائل التي فيها شائبة الربا ، والشريعة
(1) سورة البقرة الآية 275
(2) سورة البقرة الآية 275
(3) سورة البقرة الآية 275
(4) سورة البقرة الآية 275
(5) سنن أبو داود البيوع (3406) .
(6) سورة يوسف الآية 76
شاهدة بأن كل حرام فالوسيلة إليه مثله لأن ما أفضى إلى الحرام حرام كما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه » (1) .
وفي السنن عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » (2) .
وفي الحديث الآخر: « الإثم ما حاك في القلب وترددت فيه النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس » (3) وفي رواية: « استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك » (4) .