فهرس الكتاب

الصفحة 430 من 1226

ثم ينقل الكاتب عما أسماه بالأستاذ وفيق القصار كلاما في فائدة القرض لا يخرج قيد أنملة عما سبق ، وردده رجال الكنيسة في العصور الوسطى تبريرا للفائدة وما يستمر في ترديده الآن رجال الفكر الغربيون . هذا عن الفقرة الرابعة التي تحدث فيها الكاتب عن طبيعة الأعمال المصرفية ومدى مخالفتها للأعمال الربوية كما ذهب الكاتب ، وبعد تلك المناقشة هل هناك خلاف حقيقي بينهما فعلا أم أنه خلاف متخيل متوهم ؟

الفقرة الخامسة: بعد ذلك يذكر الكاتب خلاصة لبحثه لا يزيد فيها عما سبق أن كرره كثيرا وما سبق أن رددنا عليه . ولكنا نحب أن نلفت نظر الأخ الكاتب هنا إلى نقطة صغيرة هي أن الأعمال المصرفية"الإيداع"باتفاق رجال الاقتصاد والقانون في الغرب هي من باب القرض وإن تسميت بوديعة أو بغيرها من التسميات . حتى إن تعريفهم للفائدة ينص صراحة على أنها ثمن استعمال النقود المقترضة . إذن كيف يتضح الخلاف والاختلاف ؟!! والعجيب أنه يقول ما نصه:"لأنها معاملات جديدة لا تخضع في حكمها للنصوص القطعية التي وردت في القرآن الكريم بشأن حرمة الربا ) سبحان الله ! وهل مجرد كونها جديدة يجعلها تختلف عن القديم ، وهل كل جديد يخالف القديم ؟ والأكثر فزعا قوله طالما هي جديدة فلا تخضع في حكمها للنصوص القطعية القرآنية . وكأن القرآن الكريم إنما جاء للمعاملات القديمة التي كانت في الجاهلية وإبان نزوله فحسب ، ثم ما يجد من معاملات يبحث له عن مصدر آخر للتعرف على حكمه . مع أنه من المعلوم من الدين بالضرورة أن كل ما في القرآن والسنة هي نصوص خالدة وليست"

تاريخية وتطبق على كل ما حدث وما يحدث وما سوف يحدث إلى قيام الساعة ، ثم يواصل في خلاصته قائلا:"إن علينا في ضوء ذلك أن ننظر لها من خلال مصالح العباد وحاجاتهم اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إباحته للسلم رغم ما فيه من بيع غير موجود وبيع ما ليس عند البائع ، وقد أجمع العلماء على أن إباحة السلم كانت لحاجة الناس إليه ) لقد نسي الكاتب أن النصوص الإسلامية كفتنا مؤنة النظر هنا الذي يطالب به الأخ فنصت على حرمة الربا والذي من صوره الأساسية الدين بزيادة مشترطة ."

والعمل المصرفي من صميمه . والعجيب أن يقول اقتداء برسول الله في إباحته السلم . وكأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجد نصا أو وجد نصا محرما للسلم ولكن مصالح العباد اقتضت أن ينظر في الأمر فيبيحه . وهل يجهل الكاتب أن الرسول الكريم مشرع في الأول والأخير ؟ وكل ما يقوله هو نصوص شرعية واجبة النفاذ ؟ وهل هناك نص صريح يفيد حرمة السلم ؟ وبفرض وجود ذلك فهل إذا جاء الرسول الكريم وقال نصا مغايرا هل يعتبر الحكم الثاني مصدره العمل بالمصلحة أم بالنص الإسلامي ؟ ومن قال من العلماء إن السلم يدخل في باب بيع ما يسمى عندك هم فئة من العلماء وليس كل العلماء ، وهناك منهم من أكد على غير ذلك ( ابن تيمية وغيره ) حيث ذهبوا إلى أن السلم أصل بذاته وليس هو رخصة أو مستثنى من محرم للحاجة ، ثم يواصل الكاتب قائلا:"والمصارف والأعمال المصرفية حاجة من حاجات العباد لا تتم مصالح معاشهم إلا بها"أما أن المصارف من حيث المبدأ حاجة اقتصادية عصرية فنعم ، لكن ذلك لا يؤدي إلى اعتبار كل عمل تقوم به في حد ذاته حاجة من حاجات الناس . وإلا فيمكن القول أيضا وبنفس القوة إن الربا كان حاجة من حاجات المجتمع الجاهلي ، وكان يمثل مصدرا أساسيا

من مصادر تمويل التجارة ذات الأهمية القصوى في حياتهم واقتصادهم ، بل ولشدة تمسكهم به وحاجتهم إليه شبهوه بالبيع بل شبهوا البيع بقولهم: { إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا } (1) . فهل أبيح للحاجة والمصلحة ؟

بل الصواب أن يقال إن المصارف كمؤسسات تمويلية حاجة هامة ، وعلينا نحن المسلمين أن نتعرف على الأعمال التي تؤديها خدمة للمجتمع بما لا يخالف الشريعة وقواعدها وأحكامها ، والحمد لله هناك عمل كبير قد تم في هذا الشأن على المستوى النظري وعلى المستوى التطبيقي ، وبفرض أن في هذا العمل بعض الثغرات فإن الجهد المطلوب ليس هو نقص ما تم ، بل تطويره وتحسينه بحيث يقدم الخدمة المطلوبة على أحسن وجه . ونحن نخالف الكاتب تمام المخالفة من الناحية الاقتصادية فوق مخالفتنا له من الناحية الشرعية ، وذلك في ادعائه بأن تحريم المعاملات المصرفية"الإقراض والاقتراض"يهدد كيان الدولة والأمة الإسلامية . . إلخ ما يقول . فالحقيقة الدافعة أن تلك الأعمال بوضعها الراهن هي إحدى الأدوات الفتاكة التي تحقق ما تخوف منه الكاتب . والتبعية النقدية والمصرفية والسيطرة الغربية على أجهزة المصارف والنقد في العالم والمديونية الهائلة التي تتضاعف عاما بعد عام على المستوى الدولي وعلى المستوى المحلي كلها أمور أوضح من أن تناقش هنا ، وكذلك الآثار الاقتصادية المدمرة لسعر الفائدة على الإنتاج والاستثمار والتوزيع والاستقرار الاقتصادي ، ومن ثم على تقدم المجتمعات وتحقيق الرخاء الحقيقي لكل أفرادها كل ذلك معروف ومدون في كتب الاقتصاد الوضعي ، فكيف يجيء كاتب مسلم ويقول إنه بلا الفائدة لن تكون قوة اقتصادية ، وبلا قوة اقتصادية لن تكون قوة إسلامية . وهكذا يوصلنا إلى

(1) سورة البقرة الآية 275

مقولة من أغرب ما قيل وهي: إن الإسلام والمسلمين والدولة الإسلامية كل ذلك رهين وجود الفائدة . وفي نظري أن الأكثر جدوى من إبداء مثالب نظام الفائدة هو تقديم لمحة عن البديل الإسلامي .

وهل البديل الإسلامي عاجز عن إشباع تلك الحاجة وتحقيق هذه المصلحة على وجه أكمل من هذا الأسلوب المحرم ؟ للإجابة على ذلك نعرض في كلمة لهذا البديل ثم لنرى إلى أي مدى يحقق المصلحة لكافة الأطراف .

إن البديل المتعارف عليه حاليا والمتفق عليه بين علماء المسلمين يتمثل في نظام ينحي الفائدة جانبا بكل صورها ويحل محلها أداتين ، القرض الحسن"بلا فوائد"والمضاربة .

فهل هذا البديل يحقق المصلحة التي يتشدق بها أنصار النظام الربوي أم لا ؟

إن الحاجة أو المصلحة برغم تداخلها وترابطها إلا أنه يمكن تحليلها إلى أربع: ( 1 ) حاجة صاحب المال . ( 2 ) حاجة صاحب المشروع . ( 3 ) حاجة الوسيط المالي"المصرف". ( 4 ) حاجة المجتمع .

أولا: حاجة صاحب المال . وقبل أن نناقش تلك الحاجة يهمنا أن نشير إلي أن أنصار النظام الربوي عادة ، بل غالبا ما يركزون على تلك الحاجة في مناقشاتهم مدعين أن تلك الحاجة إنما تتحقق على الوجه الأكمل في النظام الوضعي عكس النظام الإسلامي . وبمنطق علمي هادئ نناقش تلك المقولة .

إن حاجة صاحب المال تتمثل في توظيف ماله بما يحقق له عائدا مجزيا مع توفير أكبر قدر ممكن من الأمن على ماله ، وقد تتمثل في المحافظة

على ماله والسحب منه عندما يحتاج .

أما عن توظيف ماله فإن نظام المضاربة يحقق له ذلك من خلال ما يقدمه له من حصة في الأرباح كبرت هذه الحصة أو قلت ، كما أن الفائدة ترتفع وتهبط . وبرغم ذلك فعادة ما تثار الغيوم والشكوك . ومن ذلك أن الفائدة مضمونة ومعروفة سلفا وفي ذلك إغراء وتشجيع وأمن كبير .

والجواب عن ذلك متعدد الأبعاد لكنا نكتفي بأنه ليس كل مغر معترفا به شرعا سواء في المعاملات المالية أو في غيرها فالإغراء على العمل في حد ذاته ليس هو المعول عليه في التحليل أو التحريم . ولقد حفت النار بالشهوات وإغراء الشهوة في كل مجال معروف . كذلك قد يقال إن المال نفسه مضمون هناك ومعرض للمخاطر هنا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت