والجواب عن ذلك يتمثل في: ( 1 ) المال في المصرف الوضعي غير مضمون ضمانا كاملا من الناحية الحقيقية الاقتصادية ، بل هو مجرد ضمان شكلي قانوني ويكفي أن تعرف نسبة رأسمال المصرف إلى ودائعه إنها عادة لا تصل إلى 1: 5 فأي ضمان هذا ؟ ( 2 ) إن المصرف هو المصرف فكيف يمنح الثقة الكاملة في حالة الفائدة وتسلب منه هذه الثقة في حالة المضاربة ؟ ( 3 ) وهل هناك ما يمنع من وجود دراسات وسياسات للاستثمار وضوابط للمشروعات التي يمارسها المصرف على غرار"عدم السير في بطن الوادي وعدم الاتجار في حيوان وعدم ركوب البحر"؟ ( 4 ) وهل إذا وظف الشخص ماله في مشروع خاص أو شركة هل يضمن رأسها له وأرباحه مائة في المائة ؟ ( 5 ) وهب جدلا أن بعض المصارف لم يكن على المستوى المطلوب من حيث الكفاية والأمانة ترى هل يظل قائما في السوق ؟ أم سينصرف عنه المتعاملون مما يدفعه دفعا
إلى بذل كل جهد حرصا على النجاح والاستمرار ؟ ( 6 ) وهل هناك ما يمنع من رقابة وإشراف الحكومة وقيامها بوضع الضوابط الكفيلة بمنع أي تلاعب أو انحراف ؟ وقد يقال إن عودة المال إلى صاحبه عندما يحتاجه متيسرة في ظل نظام الفائدة وغير متيسرة في ظل نظام المضاربة . والجواب: أما أنها متيسرة هناك بلا قيد ولا شرط فهذا غير صحيح ، فالودائع الاستثمارية عادة محددة الفترات ، وأما أنه غير متيسر هنا فهو الآخر إلى حد كبير غير صحيح إذ من الممكن في الكثير من الحالات سحب المال أو جزء منه . وعلينا أن نعلم أن التجارة والصناعة وغيرها من جوانب النشاط الاقتصادي تحتاج إلى الزمن ، ويجب أن نحترم هذا العنصر ، وإلا ما تم مشروع واعتقد أن ذلك مصلوب اقتصاديا ، وهب أن الشخص يعمل لحسابه ، فهل من السهولة بمكان أن يقض مشروعه ويحصل على أمواله نقدا عندما يريد ؟ أظن أن الإجابة على ذلك من الناحية الاقتصادية معروفة ولا تحتاج إلى تعليق .
أما عن حاجة صاحب المال المتمثلة في مجرد المحافظة على ماله والسحب منه عند ما يريد على غرار ما هو معروف بالوديعة الجارية . فهل البديل الإسلامي يعجز عن ذلك ؟ إن الفقه الإسلامي قد خصص من أبوابه بابا أسماه بالوديعة ، وقدم لها من الأحكام والضوابط ما يجعلها تنهض نهوضا كاملا بتلبية مصلحة رب المال . وليس هنا مجال مناقشة ذلك لكنا نشير إلى مجرد جزئية فيها لأهميتها . وهي أن الأصل أن يحتفظ المستودع"المصرف"بالوديعة دون التصرف فيها لكن طالما أن الوديعة تأخذ الشكل النقدي والنقد غير متعين عند الكثير من العلماء إلا في حالات معينة ، وطالما أن من حق المستودع أن يتصرف في الوديعة بإذن ، وطالما أن من حقهما"الطرفين"أن يحولا الوديعة إلى قرض يصبح
مالكا له المستودع"المقترض"ويتصرف فيه كما يشاء وله الغنم وعليه الغرم طالما أن ذلك كله متاح في الإسلام . فهل بعد ذلك يعجز البديل الإسلامي عن تلبية مصلحة صاحب المال في حفظ ماله والسحب منه عندما يحتاج ؟ مع ملاحظة أن المودع للوديعة الجارية في النظام الربوي لا يحصل عادة على فوائد ، بل كثيرا ما يدفع مصاريف وهو هنا أيضا لا يحصل على عوائد ، بل ربما يدفع أجرة الحفظ والصيانة اللهم إلا إذا صرح له بالتصرف فيها متحملا الغرم مستفيدا بالغنم ، فعند ذلك تتحول الوديعة إلى قرض لا يحصل المودع على شيء منه ولا يدفع مصروفا له . هذا عن حاجة صاحب المال ومصلحته فهل عجز البديل الإسلامي عن تحقيقها ؟
ثانيا: حاجة صاحب المشروع . إن صاحب المشروع يحتاج إلي تأمين التمويل الكافي لإقامة مشروعه ولاستمراريته . ومن الحقائق المدونة في دنيا الاقتصاد أن حصول صاحب المشروع على خدمات عناصر الإنتاج المختلفة والتي منها خدمة رأس المال لا يتم مجانا وبلا مقابل عادة ، بل لا بد من دفع المقابل أو الثمن . هذا معروف في الاقتصاد الوضعي ولا يعرف غيره . فهل البديل الإسلامي يحقق ذلك فقط ؟ أم لمحققه وزيادة ؟ أم لا يحققه ؟ بالتحري والتدقيق نجد البديل الإسلامي يحقق ذلك وزيادة . فأمام صاحب المشروع أن يذهب للمصرف ويتفاهم معه حول تمويل مشروعه بعد دراسته دراسة جيدة والاطمئنان على سلامته من الناحية الاقتصادية ومن الناحية الشرعية . وأمامهما عند ذلك أكثر من وسيلة لإنجاز هذا المطلوب من بينها دفع التمويل على سبيل المضاربة أي بحصته فيما يتحقق من أرباح . وهنا نجد أن حاجة صاحب المشروع قد لبيت فقد حصل على التمويل اللازم ، وكل ما عليه أن يتنازل عن حصته
من الربح للمصرف إذا تحقق ربح . كما أنه يمكنه الحصول على قرض حسن من المصرف"الودائع الجارية"وعندئذ يلتزم التزاما قانونيا برده وفي نظير ذلك له كل ما يتحقق من ربح . وإذن فمن الممكن إجراء ترتيب بمقتضاه يمكن منح صاحب المشروع حاجته أو بعضها من التمويل دون دفع ثمن . وهذه الصورة غير موجودة على الإطلاق في النظام الربوي . وهنا قد تثار بعض الشكوك والغيوم ، والتي منها أن صاحب المشروع قد يتعرض للتدخلات الكثيرة والمعوقة من المصرف في أعماله وهذا ما لا يرغبه عكس نظام الفائدة . والجواب عن ذلك إن هذه العملية نظرا لأهميتها وموضوعيتها قد احترمها الإسلام ، ووضع من الأحكام والضوابط ما يجعل هذا التدخل في أدنى الحدود بالقدر الذي يعتبر في حقيقته من مصلحة صاحب المشروع أما ما عدا ذلك فلا تدخل من المصرف ، وأحكام المضاربة تنص بوضوح وتفصيل على ذلك . وفي ضوء ذلك فمن مصلحة صاحب المشروع التعامل بنظام المضاربة بدلا من نظام الفائدة . ذات العبء الثابت والمال المضمون الذي لا بد له من إرجاعه بغض النظر عما قد يحدث للمشروع مع عدم الإهمال .
أما في نظام المضاربة فليس هناك عبء ثابت وليس هناك التزام قانوني برد المال إلا عند الإهمال أو التعدي كما أن هناك دراسة مشتركة لجدوى المشروع مما يخفف من العبء على صاحب المشروع .
ثالثا: حاجة الوسيط المالي"المصرف". سوف نسلم بأن عملية الوساطة المالية أو عملية الصرافة عملية مباحة ومتاحة أمام من يرغب في ذلك من الأفراد فكما أن من حق الأفراد أن يقيموا شركات تجارية أو زراعية أو صناعية الخ فمن حقهم أن يقيموا مؤسسات أو شركات تمارس عمليات الوساطة أو بمعنى آخر عمليات الربط بين أصحاب الأموال