فهرس الكتاب

الصفحة 429 من 1226

رابعا: في هذه الفقرة أضاف بعدا جديدا هو الشعور بالأمان والاطمئنان في المعاملة المصرفية لكل من الدائن والمدين ، لكن ذلك مفتقر في الربا الذي حذر منه القرآن الكريم ؛ حيث لا ضمان لأموال المرابين لدى العاجزين عن الوفاء .

سبحان الله !! وهل يتباكى الكاتب على أحوال المرابين وسوء أوضاعهم ، وكأنه يطالب لهم بأمان أكبر . وهل نسي الضمانات المأخوذة هنا وهناك ؟ وهل أمان المصرف على أمواله ميزة تميزه عن المرابي القديم ومن ثم تجعل عمله حلالا ؟ ثم ما هذا الخلط ؟ الكاتب تكاد تقوم ورقته كلها على موضوع"الإيداع"وحديثه هنا لا يتصور انصرافه إلا إلى إقراض البنك للعملاء ، فأين الأمان الذي تتحدث عنه للبنك ؟ أم أنه يتحدث عن ضمان وحماية مال صغار المالكين"الدائنين للبنك"بينما لم يكن ذلك موجودا في الدائن المرابي في الماضي ؟ ما هذا ؟

خامسا: في هذه الفقرة يكرر ما سبق قوله في أن الزيادة في الأعمال المصرفية إنما تشترط في أصل عقد الدين لأغراض تجارية من مدينين أغنياء من رجال الأعمال ، وليست طارئة عند حلول الأجل مع المدين المحتاج للصدقة ، وذلك ما يجعلها في الأصل ذات صفة تجارية في المعاملات المصرفية أي في مقابل منافع متبادلة ، وهذه الزيادة تختلف تماما عن الزيادة التي أشار إليها القرآن الكريم ، والتي اعتبرها محرمة لأنها لا تشترط إلا على رجل محتاج للصدقة . ومبدأ حلول أجل الدين وعجز المدين عن الوفاء ، هذه عبارة كررت كثيرا ورددنا عليها في أكثر من مكان ، ومضمونها في النهاية خاطئ ولا يعتبر تمييزا بين الربا المحرم وبين تلك الأعمال من قريب أو بعيد .

سادسا: ذكر الكاتب في هذه الفقرة عبارة غريبة عجيبة ننقلها بنصها

لتكون شاهدا حاضرا أمام عين القارئ . يقول الأخ الكاتب:"الفائدة جزء من ربح المضاربة ، فنحن نعرف أن البنك يقدم قرضين ، قرض استهلاكي وقرض إنتاجي . وقرض الإنتاج ما هو إلا أخذ مبلغ من المال من البنك للاستثمار والنماء عن طريق النشاط التجاري أو الصناعي أو كليهما معا ، ويلتقي هذا التصرف مع نظير له في المعاملات الإسلامية أقره الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويعرف باسم المضاربة أو القرض ، وقوامه المال من شخص والعمل لاستثمار هذا المال من شخص آخر بجزء مسمى على جهة الشيوع من الربح ، وبناء عليه فالفائدة التي تؤخذ على القرض الإنتاجي يمكن احتسابها جزءا من ربح المضاربة المشروعة"ثم أخذ في تعريف المضاربة وبيان حكمها ورأي بعض العلماء المناصرين فيها .

نلاحظ أن حديث الكاتب ينصرف أساسا بل كلية إلى مديونية البنك وليس إلى دائنيه ، لكنه هنا يتحدث عن دائنية البنك وهذا خلط واضح ، ويدعى أن الفائدة جزء من ربح المضاربة . أية مضاربة ؟ وأية فائدة ؟ لا نجد إجابة . ثم يقول الأخ الكاتب بجرأة غريبة إن ما يقدمه البنك من قروض إنتاجية نظير ما هو معروف بالمضاربة ، ويخلص من ذلك إلى إمكانية احتساب الفائدة على القرض الإنتاجي جزءا من ربح المضاربة المشروعة . إذن من المؤكد أنه الآن بصدد الحديث عن الفائدة الدائنة التي هي للبنك على ما يقدمه من قروض .

يضاف إلى ذلك أن الكاتب يصرح بإباحتها على أساس أنها نظير شيء جائز ومعروف في الإسلام . ومن يمعن النظر في كلام الكاتب يجده يناقض بعضه بعضا ، فطوال ما مضى من حديث له كان يبنيه على أساس أن المعاملة المصرفية مغايرة للربا ؛ حيث المدين فيها وهو البنك أغنى بكثير من الدائنين عكس ما هو كائن في الربا . لكن ما نراه الآن يقلب الكلام

رأسا على عقب فها هو المصرف أصبح دائنا والمقترضون أقل غنى منه بكثير طبقا لكلام الكاتب ، أي أنه في تلك الحالة ينطبق عليه تماما ما يتصوره الكاتب في ربا الجاهلية فكيف جوز تلك المعاملة ؟ ونلاحظ أيضا أنه يعترف صراحة هنا بكونها عملية قرض ، والمتفق عليه أن أي زيادة مشترطة في القرض ربا . ثم إنه يمتلك من الجرأة ما تجعله يقول إن القرض نظير المضاربة وما دامت جائزة فيجوز نظيرها . من الذي قال إن القرض نظير المضاربة ؟ وفي تناوله للمضاربة بحيث يؤكد على هذا التشابه والتناظر ، كما يقول ذكر آراء بعض المعاصرين الذين يرى الكاتب رأيهم . ونلاحظ أن من تكلم في المضاربة من المعاصرين من أمثال الشيخ خلاف رحمه الله إنما ناقش مسألة اشتراط كون الربح نسبة وليس مبلغا محددا ، وذهب إلى أن هذا الشرط لا يجب التقيد به لأنه من كلام الفقهاء وليس من القرآن ولا من السنة . ونحن هنا لا نناقش الشيخ خلاف فيما ذهب إليه لسبب بسيط هو أن مجال حديثه غير مجالنا ، فنحن نتكلم عن معاملة مصرفية اعترف الكاتب بأنها قرض وهو يتكلم عن المضاربة وشتان بين هذا وذاك . وهب أن كلام الشيخ خلاف له وجه - مع عدم التسليم به - فإن ذلك لا يخدم وجهة نظر الكاتب لا من قريب ولا من بعيد ، وذلك لأن القرض عقد ينقل الملكية نقلا كاملا للمقترض بتسلمه للقرض فيصبح القرض ملكا ومالا للمقترض يتصرف فيه كيف يشاء وهو ملتزم برد مثله للمقرض مهما كانت الظروف (1) .

بينما المضاربة عقد شركة لا ينقل ملكية المال بل يظل مملوكا لصاحبه وكل ما للمضارب فيه هو العمل عليه ؛ ولذلك لو تلف أو فقد أو خسر بلا إهمال أو تعد من المضارب ، فإن ذلك كله يحسب على صاحبه عكس

(1) انظر في ذلك: الكاساني: '' بدائع الصنائع '' ج8 ص3596 نشر زكريا يوسف .

القرض ، إذن الطبيعة مختلفة والأركان مختلفة والمقاصد مختلفة . يضاف إلى ذلك أن من تكلم من المعاصرين في المضاربة إنما تكلم فحسب في مسألة الربح وليس في مسألة الضمان ونقل الملكية ، فالكل متفق على بقاء المال على ملك صاحبه .

تبقى لنا كلمة هنا ، لقد نقل الكاتب عن الشيخ خلاف قوله:"واشتراط الفقهاء لصحة العقد ألا يكون لأحدهما من الربح نصيب معين اشتراط لا دليل عليه ، وكما يصح أن يكون بالنسبة يصح أن يكون حظا معينا ولا يدخل في ربا الفضل ولا في ربا النسيئة ؛ لأنه نوع من المضاربة وهذا الاشتراط مخالف لأقوال الفقهاء ولكنه غير مخالف نصا في القرآن الكريم أو السنة"، والتعليق هنا يقتصر فقط على الجزء الأخير من تلك العبارة . إن كل من له اطلاع على كتب الفقه على اختلاف مذاهبها يجد الإجماع على هذا الشرط"نسبية الربح"؛ إذن هناك إجماع فقهي ليس على مستوى مذهب أو مذهبين بل على مستوى المذاهب الأربعة ، بل على مستوى الفقه الإسلامي بما فيه من المذهب الظاهري والزيدي والشيعي . . إلخ وإذا كان ذلك كذلك فكيف يقال إن تحديد مقدار معين من الربح يخالف أقوال الفقهاء ولكنه لا يخالف نصا من قرآن أو سنة ؟ لو صح هذا لوقعنا في مأزق حرج ، فلو كان القائل بهذا الشرط فقيه أو مذهب أو مذهبان مع مخالفة غيرهما لأمكن مخالفته ، لكن أن يكون القائل هم كل علماء الإسلام على اختلاف مذاهبهم فيخالف هذا القول الإجماعي ، ثم يقال إنه كلام فقهاء وليس كلام الله ولا كلام الرسول ! وكيف أجمع هؤلاء العلماء على ذلك ؟ وما مستندهم إن لم يكن كتاب الله وسنة رسوله ؟ إن مثل هذا القول فيه تشكيك رهيب في الفقه الإسلامي بل وفي الشريعة نفسها ! هذه كلمة خطيرة - سامح

الله شيخنا الفاضل فيها - ونحن نجزم بأنها لو صحت عنه فإنه لم يكن على دراية كاملة بمدلولها ومفهومها وما يترتب عليها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت