وفي فقرته الرابعة يتناول الكاتب طبيعة أعمال المصارف . ويقول: إنه بعد دراسة مفهوم الربا في القرآن والسنة وموقف أهل العلم من المصارف ندرس طبيعة أعمال المصارف لنرى هل تقع ضمن الأعمال الربوية التي ورد تحريمها في القرآن تحريما قطعيا لا شك فيه أم أنها تختلف عنها تمام الاختلاف ، وبالتالي ينظر إليها ضمن حدود القواعد العامة للشريعة ، وبالتالي عدم الحجر على العباد فيما لا بد منه ويخلص إلى هذه النتيجة: إن طبيعة أعمال المصارف تختلف عن الربا المحرم في القرآن على النحو التالي: أولا: لأن الدائن في المعاملات المصرفية هو دائما من المالكين لرأس المال غير أنه يملك سيولة صغيرة لا يستطيع استثماره ، أما المدين فهو دائما من كبار المالكين لرأس المال غير أنه لا يملك أية سيولة لتسيير أعماله الكبرى ، أي أن الذي يحتاج للآخر في تلك المعاملة هم دائما الأغنياء الكبار الذين يمدون أيديهم لوفر المالكين الصغار دون العكس ، ويترتب على ذلك أن هؤلاء المدينين لا تحل لهم الصدقة فيما لو طلبنا إلى هؤلاء أن يتوبوا ويتصدقوا برؤوس أموالهم على المدينين الأغنياء ، عملا بقوله تعالى: { وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ } (1) ، وهذا هو أول ما يميز أعمال المصارف عن الربا المحرم في القرآن الكريم ؛ حيث إن المدين يحتاج للصدقة عكس المدين في المعاملات المصرفية . هذا ما قاله الأخ الكاتب تعمدت نقله نقلا شبه حرفي حتى تكون مناقشته حضوريا .
وأعتقد أن ما يريد أن يقوله الكاتب في هذه الفقرة من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى توضيح ، لكن ترد عليه الأمور التالية دائما ما يركز على أنه في تلك المعاملة الدائن دائما أقل غنى من المدين ، لكن
(1) سورة البقرة الآية 280
كون ذلك دائما فهذا غير صحيح خاصة إذا ما علمنا حقيقة المصارف وأنها في غالبيتها شركات مساهمة قد لا تكون ملكية الفرد فيها ذات شأن ، بالإضافة إلى أن هناك من أصحاب الإيداعات من هم من أصحاب الملايين بل والبلايين . ( 2 ) حسنا أن صرح الكاتب بأن العلاقة المصرفية هي علاقة دائنية ومديونية أي أننا في مجال"الدين"وحيث إن الدين إما من بيع أو إجارة أو قرض إلخ ، وحيث إن المصرف لم يشتر ولم يستأجر شيئا من الدائن فيبقى أن يكون مصدر الدين هو القرض ، وعلى أية حال فنحن في مجال الدين ، وقد أجمع العلماء على أن الزيادة المشترطة في عقد الدين هي من الربا القطعي التحريم"بتعبير الكاتب"لأنها صورة من صور ربا الجاهلية . ( 3 ) علينا أن نلاحظ أن المدين إذا أعسر فقد صار مركزه المالي سيئا جدا ، بحيث لم يعد يستطيع سداد ما عليه بغض النظر عما كان عليه في الماضي ، وفي تلك الحالة تجوز عليه الصدقة من الدائن أو غيره ، وهب أن مصرفا قد أفلس وهب أن أعماله مشروعة فما المانع في تلك الحالة من التصدق على مالكيه . ( 4 ) يضاف إلى ذلك أنه كما هو معروف في العقود ، فإن لكل عقد أركانه وطالما استوفى العقد تلك الأركان دخل في نطاق العنوان المتعارف عليه ، فهناك دائن وهناك مدين وهناك دين إذن عقد الدين استكمل مقدماته ، ولا أثر بعد ذلك فيما لو كان الدائن أغنى أو أقل غنى من المدين ، وهكذا نصل إلى أنه ليس كل مدين محتاجا للصدقة ، وكل مدين معسر يحتاج إلى ذلك ، مصرفا كان أو غيره .
ثانيا: لأن الدائن في المعاملة المصرفية لا يختص وحده بالمنفعة دون المدين عكس ما حذر منه القرآن الكريم ، كما أنه لا يستغل محتاجا للصدقة ، بل يشترك مع الأغنياء في المنفعة بموجب عقد رضائي تجاري لا استغلال فيه .
ومبدئيا نقول إن هذا الكلام كله بفرض التسليم بصحته لا أثر له في الحكم على الإطلاق ، بل المعول عليه هو وقوع زيادة مشترطة منصوص عليها في دين . وهذا قائم وموجود هنا ثم إن عملية التراضي هي الأخرى لا أثر لها في حل أو حرمة ، فكم من عقد تم بتراضي طرفيه ولكنه حرام ومحظور وفاسد وباطل مثل الكثير من البيوع وغيرها . وكون المنفعة مشتركة هي الأخرى لا أثر لها ، فكم من عقود نجد منفعتها مشتركة لكنها محرمة مثل الزنا والكثير من البيوع والإجارات إلخ ، كما أن قوله لا استغلال فيه غير مسلم به فالاستغلال قائم وموجود حتى ولو كان من قبل المدين . إن عملية الظلم مرفوضة من دائن أو مدين ، من غني لفقير أو من فقير لغني . ولقد اعترف الخبراء باستغلالية المصرف لكل من الطرفين ، المودع"الدائن"والمقترض"المدين". ووصف الكاتب العقد بكونه تجاريا قاصدا بذلك أننا في عمليات بيع وتجارة وليس في عمليات إقراض اقتراض كما هو الحال في الربا في القرآن الكريم . لكن يرد عليه بأنه بنفسه اعترف أكثر من مرة بأننا هنا أمام دين ودائن ومدين ، بل لقد صرح أكثر من مرة بالقرض ، يضاف إلى ذلك أن كون المصرف أو حتى الطرفين قد حولا القرض إلى صورة تجارة ، وهذا هو الواقع فنحن نعلم أن المصرف يعرف بأنه تاجر ائتمان أي أن يتاجر في عمليات الإقراض والاقتراض ، وبالطبع فإن عملية التجارة هذه لا تخرج الأمر عن طابعه وطبيعته وهو"القرض"وعلينا أن ندرك أن ربا الجاهلية في الكثير من صوره كان لأغراض تجارية .
ثالثا: كرر الكاتب هنا ما قاله في"ثانيا"ومن ثم فلن نعيد الرد عليه اللهم إلا تركيزه على قصد الاتجار هنا وليس القرض لحاجة وأن ذلك من قسم البيع . ونقول للأخ الكريم طالما أنه يصر على ترديد ذلك وكأنه
عنصر جديد ومؤثر في العملية . من تعنى بمن يقصد الاتجار من طرفي العقد إن كان المدين فهذا لا أثر له . ومن الذي قال إن القرض كان في الجاهلية أو في صدر الإسلام أو في أي عصر أو في عصرنا هذا إنما يكون بقصد الاستهلاك فحسب من قبل المدين أو المقترض ؟ وإن كان الكامن لذلك هو الدائن"المقرض"بأن يستخدم إقراضه أو دائنيته لغيره لإدرار العوائد والفوائد متخذا من ذلك نشاطا تجاريا ، فيقول الإسلام له إن ذلك منك حرام مهما كانت نوعية المقترض أو المدين ، وإذا أردت توظيف مالك توظيفا اقتصاديا فالباب أمامك مفتوح على مصراعيه للولوج منه ، أما أن تترك الباب المشروع لتوظيف الأموال ؛ شركة ، مضاربة ، إلخ بقوانينها وضوابطها ثم تلج من باب القرض ذي الطبيعة الخاصة والقانون المميز مستخدما له استخدام مجال التوظيف الاقتصادي فهذا هو الحرام بعينه . وهذا فإن قصد الاتجار لا يحيل الحرام حلالا طالما نستخدم نفس الأدوات التي لا يجوز أن تستخدم في الاتجار ، وإلا فما أيسر أن تقتصر التجارة في أعمال كثيرة محظورة ، فهل يحيلها هذا القصد المجرد إلى حلال مباح ؟ ؟ إننا نرى اليوم عشرات الأعمال المحظورة والمحرمة أصبحت محلا للتجارة بل وللصناعة - وكلاهما نشاط اقتصادي مشروع - مثل التجارة في الفوائد الدائنة والمدينة"الأعماق المصرفية"، الزنا وأعمال العهر ، المخدرات ، الملاهي والقمار . . إلخ وادعاء الكاتب بعدم وجود ضرر في تلك المعاملة غير صحيح ، فماذا عن المجتمع ، وماذا عن المديونية التي تجثم على صدر العديد من الدول الإسلامية ومعظمها مصدره الافتراض بفائدة ؟ وماذا عن الآثار الضارة للفائدة على الإنتاج وهيكله ومستواه ، والتوزيع والعمالة ، والاستقرار الاقتصادي مما هو مدون في أمهات كتب الاقتصاد الوضعي ؟ ؟ أليست هذه كلها أضرارا !!!