(1) صحيح مسلم المساقاة (1596) ,سنن النسائي البيوع (4580) ,سنن ابن ماجه التجارات (2257) ,مسند أحمد بن حنبل (5/209) ,سنن الدارمي البيوع (2580) .
احترامنا لها - تعد مصدرا لمثل تلك المعلومة الخطيرة ؟ كنا نتوقع من الكاتب أن يتحقق لنا من ذلك وينقل لنا بأمانة ودقة ما قاله العلماء الثقاة في الحديث المذكور وفي موقف ابن عباس ، لكن الكاتب لم يفعل ذلك ولا شيئا منه ، وفي الغالب خشية أن يوصله ذلك إلى غير ما يريد الوصول إليه . هذا من جهة ، ومن جهة ثانية فهب جدلا أن ما قاله هنا صحيح فما وجه تدعيم ذلك لوجهة نظر الكاتب ؟ ليس له وجه ولو خافتا ، فهذا في مجال آخر ونحن في مجال آخر هناك التفاضل يدا بيد ، وهو ما عبر عنه السبكي بـ"النقد"وهنا التأخير والتأجيل ، فأين هذا من ذاك ؟ ومن جهة أخرى فإن مما يدلنا على أن نسبة هذا الكلام لابن عباس وبقاءه عليه فيها الكثير من النظر ، إنه من غير المتصور أن يبيع شخص ذهبا بذهب من نفس النوع والجودة حالا متفاضلا ، هذا غير متصور ، والمتصور إحدى اثنتين ، إما أن أحدهما ردئ أو أن أحدهما مؤجلا حتى يكون للتفاضل وجه يتصور من خلاله ، أما التأجيل فلا خلاف بين ابن عباس أو غيره في حرمته ، وأما الرداءة والجودة فهي الصورة الوحيدة التي يمكن تصورها فيما لو ثبت ذلك عن ابن عباس . وعندئذ فهي خارجة عن مجالنا لأنها حالة من جهة ومغايرة صفة من جهة أخرى (1) .
(1) إن كل من تكلم من ثقات العلماء في هذه المسألة أكد على رجوع ابن عباس عن قوله . انظر في ذلك: نيل الأوطار جـ 5 ص 216 ، 217 ، شرح مسلم للنووي جـ 11 ص 24 ، 25 ، شرح السنة للبغوي ، المطالب العالية لابن حجر . وقد قال القرطبي وابن عبد البر ، والسرخسي: إنه لا قول لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . والأمر سيان \ ج1 ص 393 . في رجوع ابن عباس أو عدم رجوعه فإذا ثبتت السنة فلا قول معها لأحد . انظر الجامع لأحكام القرآن جـ 3 ص 348 ، المبسوط جـ 2 ص 111 وتكملة المجموع للسبكي جـ 10 ص 34 .
ثم خلص الكاتب من ذكر تلك الاتجاهات إلى ما أسماه حقيقة لا تحتاج إلى دليل وهي: ما ملخصه أن الربا المحرم هو الذي نزل فيه القرآن الكريم وهو ربا الجاهلية وخاصيته - كما يقول - هو الزيادة عند حلول الأجل نظير تمديد الأجل ، وهو الربا الذي ذكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع قال: « ألا وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا عمي العباس بن عبد المطلب » (1) ، أما ربا الفضل فهو محرم أيضا ، لكن تحريم وسائل وما حرم سدا للذريعة يباح للمصلحة الراجحة . ثم أضاف إلى ذلك معلومة أخرى وهي أن الربا المحرم قطعيا هو الذي يتخذ صورة التضعيف . ثم ينقل سببا من أسباب نزول الآية الكريمة { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً } (2) مشيرا إلى أن الجاهلية كانوا يضاعفون الدين بمضاعفة الأجل . هذا ملخص للحقيقة التي لا تحتاج إلى دليل . والغريب أن الكاتب ينقل بعض الفقرات ويترك بعضها ، وكنا نود منه طالما أنه تعرض لهذه المسألة أن يعرض لنا أقوال العلماء والمفسرين في معنى هذه الآية وما وراء هذا القيد أضعافا مضاعفة ومدى تدخله في الحل والحرمة ، وهل لو كان الربا غير مضاعف كان حلالا . وهل التضعيف يرجع للدين أم يرجع للربا كما هو واضح من الآية . وهل يخفى على القارئ نوعية الفائدة المصرفية وهل هي بسيطة أم مركبة ؟ وهل يخفى عليه ما هنالك من ديون تضاعفت أضعاف أضعاف بفعل الفائدة المصرفية ؟
إن هذا الوصف ما ذكر لتقييد الحرمة به بل هو لشناعة وبشاعة ما يؤول إليه التعامل الربوي من نتائج ، لا لأن ما عدا تلك الصورة .
(1) صحيح البخاري الحج (1693) ,صحيح مسلم الحج (1218) ,سنن الترمذي الحج (856) ,سنن النسائي مناسك الحج (2763) ,سنن أبو داود المناسك (1905) ,سنن ابن ماجه المناسك (3074) ,مسند أحمد بن حنبل (3/321) ,موطأ مالك الحج (836) ,سنن الدارمي المناسك (1850) .
(2) سورة آل عمران الآية 130
-بفرض حدوثها - غير محرم أو أقل حرمة ، إن القطرة من الخمر لا تقل في حرمتها عن الدن منها . والأمثلة في ذلك كثيرة لا تحتاج إلى بيان .
ولا أدري ماذا وراء قول الكاتب في حقيقته هذه"وهو الربا الذي ذكره الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع"، وهل يفهم من ذلك أن هذا هو الحرام وما عداه من صور الربا فهي غير ذلك ؟ وهل يعني وضع ربا الجاهلية أن ربا غير الجاهلية غير موضوع !!!
مع أنني لست من المختصين في الحديث ولا في أصول الفقه إلا أنه في حدود فهمي للحديث الشريف - وأرجو أن يصحح لي هذا الفهم أهل الاختصاص - أن آيات الربا نزلت متأخرة وإلى نزولها كان هناك آثار باقية من عمليات ربوية تمت في الجاهلية ، فعندما نزلت آيات الربا ثم جاءت حجة الوداع في هذا الحشد الهائل من كل صوب وحدب بين الرسول الكريم أن كل الآثار المترتبة والمتبقية من ربا الجاهلية موضوعة بمعنى أنه لا حق لدائن قبل مدين إلا برأس المال فقط ، ومن باب القدوة والأسوة بدأ بالديون التي لعمه العباس على الغير . ماذا في ذلك ؟ وما علاقته بحرمة بقية أنواع الربا التي بينتها السنة ، وبالطبع فإنها تلاشت في المجتمع الإسلامي ولم يعد لها بقاء أو أثر حتى يوضع ، بل عولجت معالجة كاملة قاطعة في حينها . أما ربا الجاهلية فربما كان يظن أنه طالما تم ذلك في الجاهلية ، فيكون من حق الدائنين الحصول عليها كاملة فبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن ربا الجاهلية موضوع .
وفي فقرته الثالثة تناول الكاتب ما أسماه بموقف أهل العلم وكبار رجال الفتوى في الإسلام من المصارف . ومن استعراضه غير المدون في ورقته لمجمل كلامهم تبين له:
1 -أن الربا محرم تحريما قطعيا لا شك فيه .
2 -أن الربا المجمع على تحريمه بلا شك هو ربا النسيئة الذي كان في الجاهلية ، أم ربا الفضل فقد حرم سدا للذريعة ، وما كان كذلك فيجوز للمصلحة .
3 -أن الحكمة في تحريم الربا هي إزالة الظلم بنص القرآن الكريم وعدم استغلال الغني حاجة الفقير ، وبعد أن يستعرض بعض كلام للشيخ رشيد رضا يضيف قائلا:"إن المصارف هي مؤسسات تجارية حديثة لم تكن معروفة في عهد نزول أحكام الربا في الشريعة الإسلامية ، ولذلك تخضع المصارف لأحكام الشريعة على طريق القياس ، فإذا كان الشبه كاملا من غير أي فرق بينهما وبين ما قد حرمته الشريعة من الربا القطعي فهي محرمة أيضا قطعا أما إذا اختلفت المصارف عن الربا القطعي ولو في بعض الوجوه فليست محرمة تحريما قطعيا . وإنما يجب النظر فيها على أساس مصالح الناس في معاشهم فإن كان معاشهم لا يتم إلا بها فهي جائزة من غير ريب . . إلخ".
ولا ندري ما هو سر تركيز الكاتب وترديده لعبارة محرم تحريما قطعيا لا شك فيه . وهل هناك محرم غير قطعي ؟ وهل هناك شك في أي تحريم ثبت كونه حراما ؟ ونحن نتفق معه في أن من جوانب حكمة تحريم الربا إزالة الظلم ، لكن ما هو هذا الظلم ؟ وهل هو ظلم طرف أطرف في العملية ؟ وما هو الطرف الظالم والطرف المظلوم ؟ أم أن كلا منهما ظالم ومظلوم ؟ أم أنهما معا ظالمان لغيرهما من شتى أفراد المجتمع الحاضرين والمستقبلين ؟ وماذا عن ترديده وإصراره على قوله أهل العلم وكبار رجال الفتوى ؟ وهل من تحدث عنهم هم كبار رجال الفتوى ؟ أم أنهم نفر من رجال الفتوى ؟ يعارض رأيهم جمهور إن لم يكن سائر من عداهم .