وسؤالنا للأخ الكاتب هو: في أي فقرة من تلك العبارة فرق فيها ابن رشد بين ربا الفضل وربا النسيئة ؟ وأين هو الجلي والخفي في كلام ابن رشد ؟ ربما يكون الأخ الكاتب قد ظن أن قولة ابن رشد"والثاني هو ضع وتعجل"يقصد بها ربا الفضل ، وهذا بالطبع لا يحتاج إلى مناقشة هنا وبيان ، بل يحتاج من الكاتب الرجوع إلى كتب الفقه للتعرف على مضمون تلك الجملة"ضع وتعجل"وموقف العلماء منها ، ولعل القارئ يلاحظ أن ابن رشد ينقل اتفاق العلماء على ربا البيوع دون تفصيل ، أما الذي فصل فيه فهو ربا الديون .
(1) ابن رشد '' بداية المجتهد '' جـ 2 ص 140 .
ثم أخذ الكاتب بعد ذلك يتحدث عن ابن القيم ورأيه ، ومبدئيا فإن ابن القيم واحد من آلاف العلماء يؤخذ منه ويرد ، ولا يعتبر رأيه حجة إلا باستناده إلى القواعد والمبادئ الإسلامية ، وكيف يؤخذ كلامه هنا على علاته في ضوء الحديث الشريف الذي قاله لمن اشترى تمرا بتمر حالا متفاضلا: « أوه عين الربا » (1) ومن الواضح أن الحلول هنا بين جلي وليس فيه شبهة ولا ذريعة للتأجيل ، ومع ذلك بين المصطفى صلى الله عليه وسلم « أنه عين الربا » (2) ، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن ابن القيم رحمه الله قد حاول أن يجد تفسيرا لحرمة ربا الفضل بالمقارنة بربا النسيئة ، فقال إنه حرم لأنه قد يفضي إلى ربا النسيئة (3) ، وهب أن هذا تفسير مقبول ، هل يؤدي ذلك إلى اختلاف في الحرمة ؟ لا ، وهذا ما نص عليه ابن القيم ، يضاف إلى ذلك وربما تكون أهم نقطة من حيث موضوعنا وهي: ما علاقة هذا بموضوع الورقة التي قدمها الكاتب ؟ وهب أن في ربا الفضل من حيث نطاقه كلاما وكلاما - مع أن الجميع متفق على أن هناك ربا فضل وأنه محرم في الأصناف الستة بنص الحديث ، ولا اجتهاد في ذلك ، لكن ما علاقة هذا بالمعاملة المصرفية الحالية !!! فهل هي من باب ربا الفضل أم من باب ربا الدين ؟ العجيب أن الكاتب في بعض عبارته يشير إلى أنها من ربا الفضل بينما الزيادة الطارئة هو فقط من ربا الدين استنادا إلى كلام عزاه للشيخ رشيد رضا ، لكن ذلك مرفوض منه ومن المرحوم الشيخ رشيد إن كان قد قال ذلك . فأين البيع هنا حتى يكون ربا فضل ، وما هو الفرق بين حقيقة وطبيعة
(1) صحيح البخاري الوكالة (2188,2188) ,صحيح مسلم المساقاة (1594,1594) ,سنن النسائي البيوع (4557) ,مسند أحمد بن حنبل (3/62) .
(2) صحيح البخاري الوكالة (2188) ,صحيح مسلم المساقاة (1594) .
(3) للرجوع إلى نص كلام ابن القيم انظر إعلام الموقعين جـ 2 ص 154 وما بعدها .
الزيادتين ؛ الأصلية والطارئة ؟ لا فرق ولا خلاف اللهم إلا في زعم الكاتب فقط ، فقد زعم أن الزيادة الطارئة هي في نظير التأجيل ليس إلا فهي نسيئة ، أما الزيادة الأصلية فليست كذلك والسؤال هو إذا لم تكن نظير التأجيل أو على الأقل لم يكن التأجيل عنصرا بارزا فيها ففي نظير أي شيء تكون ؟ وهل نسي الكاتب أنه في الكثير الغالب من عباراته يسلم بأننا في مجال القرض بفائدة ؟ وبعد ذلك يخلص الكاتب ما ترتبه التفرقة بين ربا النسيئة وربا الفضل من نتائج أهمها أن الحرمة في ربا النسيئة أشد من الحرمة في ربا الفضل ، ومن ثم لا يجوز ربا النسيئة إلا عند الضرورة بينما يجوز ربا الفضل عند الحاجة ، وذلك عندما لا يمكن اتخاذه ذريعة لربا النسيئة فينتفي سبب التحريم . سبحان الله ، من الذي له سلطة المفاضلة بين المحرمات وعمل سلم لها ؟
ومن الذي له سلطة إباحة المحرم وتحديد الضرورة وتحديد الحاجة ؟ وبفرض التسليم بذلك فإن الكاتب يناقض نفسه ويناقض كلام ابن القيم الذي اعتمد عليه ، فهو يقول عند الحاجة يباح ربا الفضل عند ما لا يمكن أن يتخذ ذريعة لربا النسيئة ، فإذا ما جئنا لنطبق ذلك على المعاملة المصرفية"الإيداع"وبفرض أنها من باب ربا الفضل ، ألم تؤد هذه المعاملة إلى ربا النسيئة ؟ وأليس هناك تأجيل صريح واضح ؟ يا أخي الكريم ما قاله ابن القيم هو أن 5 مقابل 6 حالا حرم حتى لا يكون الحلول فيه ظاهريا فقط ، والحقيقة هو التأجيل أي تأجيل الستة ، وما يحدث في المعاملة المصرفية أن المودع لا يأخذ مثل ماله مع إضافة الفائدة حالا بل مؤجلا ، وهذا أمر بدهي: أليس هذا هو النسيئة بعينه ؟ وهو الذي خشي ابن القيم من الوصول إليه خفية فإذا بنا نصل إليه
مباشرة وعلانية وهذا عن الاتجاه الأول كما عرضه الكاتب ، فهل فيه ما يؤيد وجهة نظره من قريب أو بعيد ؟
2 -الاتجاه الثاني: هو الذي يميز بين ربا القرآن وربا السنة . وقد وصف ربا القرآن بالربا الجلي وربا السنة بالربا الخفي ، وقد بين أن هذا الاتجاه يقسم الربا ثلاثة أنواع هي: أ- ربا الجاهلية: وهو الربا الذي نزل فيه القرآن الكريم ، وحقيقته كما ذكر الكاتب أن يقول الدائن للمدين عند حلول الأجل إما أن تقضي وإما أن تربي .
ب- ربا النسيئة الوارد في الحديث الشريف . وقد قال فيه الكاتب إنه أوسع كثيرا في مداه من ربا الجاهلية ، بل ويختلف عنه اختلافا بينا في كثير من الصور .
جـ- ربا الفضل الوارد في الحديث وهو بيع المكيل أو الموزون بجنسه متفاضلا أو بيع الطعام أو الثمن بجنسه متفاضلا .
هذا كل ما قاله الأخ الكريم عن الاتجاه الثاني . والحقيقة أن الكاتب هنا قد وضع نفسه في موضع لا يحسد عليه . فهل ما ذكره هنا يعتبر اتجاها ذهب إليه بعض العلماء ؟ أم أنه تفصيل من العلماء كلهم لصور وأنواع الربا ؟ وهل هناك فقيه واحد لا يقول بتلك الأنواع للربا ؟ إنها عملية تفصيل وتميز بين الأنواع المختلفة للربا ، وليس لهذا التفصيل أي مدخل من قريب أو بعيد في الحل والحرمة فكلها محرمة . فكيف يقال عن ذلك إن هذا هو اتجاه من الاتجاهات التي تضيق من نطاق الربا ، فأين هو التضييق والتوسيع فيما ذكره من هذا الاتجاه ؟ وبالطبع فإن كلامه عن النوع الأول هو غير صحيح ، وسبق أن فندناه أما النوع الثاني فتارة
يقول عنه هو أوسع كثيرا من ربا الجاهلية ، وتارة يقول إنه يختلف عنه اختلافا بينا . ولا يخفى ما في ذلك من التضارب فالتباين غير العموم والشمول . ثم إن قوله عن الثاني هو أوسع بكثير عن الأول غير مسلم به ، فهذا في بيع وهذا في دين أو قرض ، وهذا أصل بذاته وذاك أصل بذاته . ومع ذلك فالكل حرم بنصوص إسلامية لا فرق بين هذا وذاك .
ونحب أن نعلق بكلمة أخيرة بمناسبة تركيز الكاتب على وصف بعض الأنواع بالجلي وبعضها بالخفي ، والذي نحب أن يكون واضحا وجليا في ذهن القارئ أن مقصود من قال بذلك من العلماء لا يحمل على الإطلاق تفرقة في الحرمة أو في درجتها ، فالربا الخفي لا يقل حرمة عن الربا الجلي ، وليس كل خفي أقل ضررا وخطورة من الجلي .
3 -الاتجاه الثالث: يقول عنه الكاتب هو الذي لا يحرم إلا ربا الجاهلية الوارد في القرآن الكريم وحده ، ويقول إنه على رأس هذا الاتجاه ابن عباس ويستدل بحديث « لا ربا إلا في النسيئة » (1) فأصحاب هذا الاتجاه لا يحرمون ربا الفضل بل فقط ربا النسيئة . ونقاشنا للكاتب يدور حول تلك النقاط . فمن جهة ، هذا - إن صدق - فهم لبعض العلماء يعارضه فهم الغالبية . مع ملاحظة أن الكاتب في صدر حديثه يقول عن هذا التيار إن التيار المتشدد قد جرفه ، بمعنى أنه لم يبق هناك إلا تيار واحد ، ثم يعود فيقول إن ابن عباس ظل على موقفه هذا حتى الوفاة . وهنا مفارقة ، والعجيب أن الكاتب يرجع في قوله هذا عن ابن عباس إلى غير مرجع فهو يرجع إلى مجلة"المسلمون"وهل تلك المجلة - مع