فهرس الكتاب

الصفحة 425 من 1226

السبب الخامس: هو أن الربا زيادة طارئة في الدين تفرض على المدين المحتاج للصدقة وتشترط عليه بعد حلول أجل الدين وعجز المدين عن الوفاء ، وتلك هي زيادة بعقد جديد مستقل عن العقد الأول ، ولا يقابلها في هذا العقد الجديد غير تأجيل الاستيفاء من المدين أي"الإنساء"وهو ربا النسيئة القطعي من غير أي نفع مادي للمدين وهو أكل أموال الناس بالباطل ، ولذا كان هذا ظلما صريحا . . إلخ . جوهر هذا السبب يدور حول فكرة أن ربا الجاهلية المحرم قطعيا كان عبارة عن زيادة طارئة مشترطة على المدين نظير تأجيل استيفاء الدين ، وبالطبع فإن المعاملة المصرفية الحالية ليست هكذا ، فهي زيادة في صلب العقد الأول ، ومن ثم فإنها لا تدخل في الحرمة لهذا الاختلاف . هذه هي أهم فكرة يدور حولها بحث الكاتب كله ، وهي عند التحقيق أوهن من بيت العنكبوت . أما دعواه بأن ربا الجاهلية كان فحسب زيادة طارئة ، فهذا خطأ باعتراف

(1) سورة البقرة الآية 275

المفسرين والمؤرخين وغيرهم من علماء الإسلام ، والكاتب بنفسه قد سجل ذلك مما نقله عن ابن حجر وعن الرازي ، فالصورة الثانية وهي الزيادة الأصلية كانت قائمة وسائدة حتى أن الجصاص في"أحكام القرآن"ذهب إلى أنه لم يكن موجودا سواها .

هذه هي الأسباب الخمسة التي ذهب الكاتب إلى أنها كانت وراء تحريم الربا في القرآن ، وقد رأينا أنها كلها تنهار واحدا تلو الآخر ، ثم إنه ما كان أحرى بالكاتب وهو يتصدى لهذا الموضوع أن يرجع إلى مراجع التفسير والفقه وأصول الفقه والحديث ؛ ليتأكد على الأقل من معنى السبب وعلاقته بالحكم الشرعي .

خلاصة القول هنا أن الكاتب قد انطلق من منطلق خاطئ هو اعتباره الربا هو فقط الزيادة الطارئة بعد حلول أجل الدين ، وأن المدين هو دائما محتاج للصدقة مظلوم مستغل ، وكل ذلك غير صحيح وبفرض صحة بعضه فلا أثر له في الحكم ، وهب أن المدين غني جدا هل يجوز إقراضه بفائدة ؟

انتقل الكاتب بعد ذلك إلى بيان مفهوم الربا في السنة الشريفة ، وجاء كلامه عنها وفيها قاصرا إلى غاية الغاية . ولا أدري تفسيرا لذلك على وجه التحديد ، وهل هو عدم الدراية الكافية بالسنة ؟ أم هو موقف متعمد حيث إن المزيد من الدراسة والبدل يجلب على الكاتب مالا يود الوصول إليه ؟ يبدأ الكاتب بقوله لم يرد تعيين الأموال الربوية في القرآن الكريم ، وإنما ورد تعيينها في السنة . ومبدئيا فإذا كان قد ورد تعيينها في الحديث فما الذي يبقى للكاتب أو لغيره ؟ هل نحذف بعض هذه الأموال ؟ وهل ما لدينا من أموال مغاير لتلك الأموال المعينة في الحديث ؟

يضاف إلى ذلك أن كلامه غير مسلم به على علاته ، فإن الحديث الشريف الذي حدد أموالا معينة قد حددها على ورود ربا البيع فيها كما صرحت بعض روايات الحديث ، ولذا فقد اشتهر على ألسنة الفقهاء أن هناك ربا بيوع وهناك ربا ديون ، وإذا كان ربا البيوع بنوعيه إنما يرد في أموال معينة ، فإن ربا الديون ومنه ربا القروض يرد في كل مال سواء كان من تلك الأموال التي وردت في الحديث أو من غيرها . وفي ذلك يقول ابن رشد:"واتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين ؛ في البيع وفيما تقرر في الذمة من بيع أو سلف أو غير ذلك" (1) ، وقال ابن حزم:"والربا لا يجوز - أي لا يقع - في البيع والسلم إلا في ستة أشياء فقط . . . وهو في القرض في كل شيء" (2) . وقال الجصاص:"والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به" (3) وقال الرازي:"أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهورا متعارفا في الجاهلية ، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا ، ويكون رأس المال باقيا ثم إذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق وفي الأجل" (4) وقال القرطبي:"وأجمع المسلمون نقلا عن نبيهم - صلى الله عليه وسلم - على أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف كما قال ابن مسعود أو حبة واحدة" (5) .

(1) بداية المجتهد 2 \ 140 دار الفكر .

(2) المحلى 9 \ 503 مكتبة الجمهورية .

(3) أحكام القرآن 1 \ 464 دار الكتاب العربي .

(4) التفسير الكبير 7 \ 85 دار الكتب العلمية .

(5) الجامع لأحكام القرآن 3 \ 241 دار الكتاب العربي .

أعتقد أنه من الواضح البين أن هناك ربا ديون أو قروض وهناك ربا بيوع ، وأن الأول لا يختص بمال دون مال ، ونحب أن نذكر أخانا الكاتب هنا بتساؤله الذي صدر به بحثه بتعجب وإنكار لم حرمت الفائدة على القرض في نظر الفقهاء ؟ كما أحب أن أذكره بنص عبارة الرازي وعبارة الجصاص حتى يراجع نفسه في ادعائه بأن ربا الجاهلية كان فقط زيادة طارئة ولم يكن هناك تراض بين الطرفين ، وكل ذلك مغاير للمعاملة المصرفية فهي زيادة أصلية ونتجت عن تراض بين الطرفين .

هذا هو كل ما ذكره عن الربا في السنة الشريفة ثم سرعان ما ركز على وجود تيارين متعارضين في أمر الربا حتى في الصدر الإسلامي الأول ، مبينا أنه كان هناك المتشددون فيه وهناك المتلطفون معه ، ثم ينقل كلمة منسوبة إلى سيدنا عمر - رضي الله عنه - دون أن يجري حولها أية دراسة من حيث التوثيق والمضمون ، وما إذا كانت قد وردت فعلا عن سيدنا عمر وأقوال الثقاة من العلماء فيها ، بل إنه لم يشر مجرد إشارة إلى مصادره في ذلك (1) ، وقد سبق أن علقنا على تلك المسألة وغيرها في صدر الورقة . ثم يقول الكاتب:"إن هناك تيارا يتلطف في الربا ويحصره في ربا الجاهلية الذي نزل فيه القرآن ، لكن ما لبث هذا التيار أن جرفه التيار المعارض"ونحب أن نقول للأخ الكاتب إن المسألة لا تدخل في باب العواطف والمشاعر حتى يكون فيها تلطف وقسوة وتشدد بل هي

(1) يقال إن سيدنا عمر قال: إن آخر ما نزل من القرآن آيات الربا '' في البقرة '' وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبض ولم يفسرها لنا فدعوا الربا والريبة . ولكلام العلماء في هذه المقولة وتضعيفهم لها انظر سنن ابن ماجه جـ 2 ص2276 . وتهذيب التهذيب لابن حجر مادة ( سعيد ) ، والمصنف لعبد الرزاق جـ10 ص 301 ، والسنن الكبرى للبيهقي جـ6 ص 225 . وفي فهم عمر للربا بكافة جوانبه خاصة ربا الفضل وتشدده فيه انظر شرح السنة للبغوي جـ 8 ص 61 ، والمنتقى شرح الموطأ جـ2 ص 636 .

أحكام شرعية وأمانة الالتزام الكامل بها ، كما أنها ليست معركة ولا حربا حتى يجرف تيار تيارا ، إنما هو الإقناع والاقتناع .

ثم انتقل الكاتب بعد ذلك سريعا إلى القول بوجود ثلاثة اتجاهات متدرجة في التضييق من منطقة الربا هي: 1 - أقلها تضييقا لنطاق الربا هو ما ذهب إليه ابن رشد وابن القيم من التفرقة بين الربا الجلي ربا النسيئة والربا الخفي ربا الفضل . وقبل أن نناقش الكاتب في مقولته هذه نناقشه أولا في نسبة هذه المقولة إلى ابن رشد ، وحتى يكون النقاش أكثر فعالية نضع نص عبارة ابن رشد والتي نقلها الكاتب في ورقته . يقول ابن رشد:"واتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين: في البيع وفيما تقرر في الذمة من بيع أو سلف أو غير ذلك ، فأما الذي تقرر في الذمة فهو صنفان ، صنف متفق عليه وهو ربا الجاهلية ، والثاني ضع وتعجل وهو مختلف فيه" (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت