فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 1226

5 -من القواعد الهامة أن العبرة بالمعاني والمقاصد يقول الإمام مالك:"إنما تعبدنا بالمعاني والمقاصد"أي أن الاسم أو الصورة أو الشكل أو الأسلوب كل ذلك لا أثر له طالما أن المعنى والمقصود والمضمون واحد . وبالطبع فذلك واضح تماما من القرآن الكريم"قصة أصحاب السبت"وكذلك من السنة المطهرة ، فإذا كان الشائع هو كون المدين شخصا فأصبح مؤسسة أو شركة أو حتى دولة فإن الدين هو الدين ، وسواء سميت رشوة أو عمولة أو هدية أو إكرامية أو أتعاب . . إلخ . فإن الحكم واحد طالما أن المضمون والمقصود والمعنى متحد ، والأمثلة في كل باب أكثر من أن تحصى .

6 -لا أحد ينكر أن المصلحة مقصود التشريع الإسلامي . قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } (1) ، { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ } (2)

(1) سورة الأنبياء الآية 107

(2) سورة الإسراء الآية 82

لكن من الذي يدرك جوهر المصلحة وحقيقتها على مر الأيام إنه الخالق عز وجل ، وإذن ففي كل ما في الإسلام من أحكام بالحرمة أو الإباحة أو الوجوب إلخ نجد المصلحة ولا مصلحة دون ذلك ، بمعنى أن ما ينص عليه الإسلام بالقرآن أو بالسنة فهو المصلحة ، وإن بدا للبعض غير ذلك . ويترتب على ذلك أنه مع النص الصريح الثابت لا كلام عن مصلحة تغايره على الإطلاق ، وإنما يرد الكلام عنها عند عدم وجود نص ، عند ذلك نتلمس المصلحة ملتزمين في ذلك بقول الثقاة من العلماء الذين يخشون الله ولا يخشون أحدا إلا الله . في ضوء تلك الحقيقة الكلية ينبغي أن ندرس ونفهم ما قاله العلماء في باب المصلحة .

هذه بعض الأساسيات التي كان لا بد لنا من التمهيد بها قبل الدخول في المناقشة التفصيلية للورقة التي قدمها أخونا الدكتور إبراهيم . وآن لنا هنا أن نجري تلك المناقشة ، فنقول وبالله التوفيق: في بداية كلامه يقول الكاتب"يمكن القول إنه لن تكون هناك قوة إسلامية بدون قوة اقتصادية ، ولن تكون هناك قوة اقتصادية بدون بنوك ، ولن تكون هناك بنوك بلا فوائد"واضح تماما أنه يريد أن يقول إنه لن تكون هناك قوة إسلامية بلا فوائد . وهذا خطأ بالاعتبار الشرعي والاعتبار التاريخي ، أما الاعتبار الشرعي فسنفصل القول فيه من خلال هذه الورقة ، أما الاعتبار التاريخي فمن الثابت والمعلوم بالضرورة أن القوة الإسلامية وجدت كأحسن ما تكون دون قوة اقتصادية ، ثم وجدت القوة الإسلامية ومعها القوة الاقتصادية دون بنوك وفوائد . كما أن القوة الإسلامية والقوة الاقتصادية للمسلمين قد ضعفتا كأقوى ما يكون

الضعف بوجود تلك المصارف بفوائدها ، وهذه قضية لا تحتاج إلى نظر بعيد . كما أنه في بداية حديثه قد صرح بأن مجال الدراسة هو القرض بفائدة ، وقد تساءل بتعجب وإنكار: لماذا يعتبر ذلك محرما في نظر الفقهاء ؟ وهذه نقطة لها أهميتها حيث إنه يحاول جاهدا طوال بحثه أن يخرج الأعمال المصرفية"الإيداع"من حيز القروض ويدخلها في حيز التجارة . في عرضه لمفهوم الربا في القرآن الكريم يشير إلى ما هنالك من ربط بين التحذير من الربا والصدقة على المدين ، مع أن الربط بالمعنى الذي يحاول الكاتب أن يبرزه ليستخدمه مقدمة يصل منها إلى ما يريد من نتائج هذا الربط غير وارد ، وعلى سبيل المثال لقد ذكر الآية الكريمة: { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } (1) ، والآية الكريمة { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ } (2) لا نرى مثل هذا التصور الذي يتصوره الكاتب ليصل إلى أن المصرف ليس محلا للصدقة ، ومن ثم فمعاملته بعيدة تماما عن هذا النطاق الربوي . كل ما هنالك أن الآيتين الكريمتين تبرزان سلوكين ، سلوك الربا والاستغلال والظلم والتقاطع ، وسلوك التراحم والتعاون والتكامل ، كما تبين عاقبة كل من هذين السلوكين .

(1) سورة الروم الآية 39

(2) سورة البقرة الآية 276

وبعد ذكر الكاتب لبعض آيات الربا بين فهمه لها وما رآه من أسباب لتحريم الربا المذكور منها وقد ذكر لذلك خمسة أسباب ، نناقشها واحدا تلو الآخر .

السبب الأول: هو أن المدين محتاج للصدقة عملا بظروف الدين ، ولذلك فهو مظلوم بأخذ الربا منه . أما أن المدين محتاج للصدقة فهذا لا يسلم به على إطلاقه ، وليس كل مدين يحتاج للصدقة ، وعند الإعسار فإنه يحتاج للصدقة باعتبار الغرم كما هو مفصل في بند الغارمين ، لكن ليس هناك علاقة على الإطلاق بين حرمة الربا وبين كون مصير المدين الإعسار واحتياجه للصدقة فيما بعد . أما أن المدين مظلوم بأخذ الربا منه فهذا حق ، ومن الحق الذي لا يقل عنه أيضا أنه ظالم بتعامله الربوي وإعطائه الربا لغيره ، فالظلم قد وقع من الطرفين بل من كل أطراف العملية كما سنوضح ذلك فيما بعد.

السبب الثاني: هو أن الدائن ينفرد وحده بالمنفعة من الربا ويستغل أبشع استغلال ظروف ذلك المحتاج للصدقة ، ولذلك فهو ظالم استحق الوعد الكبير إن لم يذر الربا مع مدينه . أما قوله بانفراد الدائن بالمنفعة فهذا غير مسلم به فالمدين يستفيد من الدين وينتفع به انتفاعا مؤكدا حتى ولو كان الدين لأغراض الاستهلاك ناهيك عن أغراض الإنتاج ، يضاف إلى ذلك أن هذا غير مؤثر في الحكم ، والتمويل الربوي للتجارة في الجاهلية لم يكن هذا الاستغلال ظاهرا فيه كما يتصور الكاتب ومع ذلك حرم ، ولو كان أحد الطرفين مستغلا ومظلوما ما كان آثما وما استحق العذاب الشديد شأنه شأن الطرف الثاني بنص الحديث الشريف « لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ، وقال هم في الإثم سواء » (1) إذن العملية كلها ملوثة وذميمة وكل من يشارك فيها ولو لم يكن أحد ركني العقد فهو آثم .

السبب الثالث: أن الربا تنمية من جانب واحد ، بمعنى أن العائد فيها لطرف والغرم أو التكلفة على الطرف المقابل ، فهو غنم من جانب وغرم

(1) سنن النسائي الزينة (5102) ,مسند أحمد بن حنبل (1/402) .

من جانب آخر . ولنفرض أن هذا صحيح في بعض الصور إلا أن ذلك لا يخدم الكاتب فيما استهدفه .

السبب الرابع: قدم تفسيرا لقوله تعالى: { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا } (1) ، والكاتب ليس من رجال التفسير من جهة حيث للتفسير رجاله المستكملون لشروطه ، وما قدمه من تفسير هو مجرد رأي محتمل . وما رأيه فيمن ذهب من المفسرين إلى أن الأكل في الآية معناه التعامل ، ويكون المعني الذين يتعاملون بالربا وهو فوق هذا وذاك لا يعتبر سببا من أسباب التحريم ، فهل يعقل أن يكون سبب تحريم الربا أن آكله يتخبط كما يتخبط المجنون !!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت