فهرس الكتاب

الصفحة 423 من 1226

نقاط جوهرية يجب التنويه بها: 1- القرآن الكريم والسنة الشريفة كلاهما مصدران أساسيان للتشريع الإسلامي ، وما تحرمه السنة فهو محرم قطعيا ، وتحريمه ليس في الحقيقة قاصرا على السنة بل هو محرم في القرآن وبالقرآن أيضا ، قال تعالى: { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } (2) ،

(1) تجدر الإشارة إلى أن بحث الدكتور إبراهيم الناصر يكاد يكون صورة طبق الأصل من بحث سبق أن تقدم به من قبل الدكتور معروف الدواليبي ، ومن ثم فإن بحثنا هذا هو رد على هذا الاتجاه كله .

(2) سورة النساء الآية 80

{ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ } (1) ، { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } (2) ، { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى } (3) { إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } (4) . إذن كافة ما حرم في القرآن أو في السنة سواء كان بنص صريح جزئي من القرآن أو بنص صريح من السنة هو في الحقيقة محرم فيها معا وبها معا ، ولا فرق بين هذا وذاك ، وليس لهذا درجة تحريم وللثاني درجة أعلى أو أقل .

2 -مهمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - هي تبليغ دين الله وشرعه لمن أرسل إليهم من العباد وتبيينه لهم بيانا واضحا كوضوح الشمس في كبد السماء بل أكثر وضوحا . قال تعالى: { وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } (5) ، { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } (6) ، { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } (7) ، { وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } (8) ، { وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ } (9) . ومعنى هذا أنه يجب الإذعان والاعتقاد الكامل بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بين للناس كل ما في القرآن من أحكام ومبادئ وكل ما يريده الله تعالى من عباده ، ولم يلتحق بالرفيق الأعلى وهناك شيء من الإسلام غامض أو غير مبين ، بل تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها . ومن الواضح أن أهمية

(1) سورة النساء الآية 59

(2) سورة آل عمران الآية 31

(3) سورة النجم الآية 3

(4) سورة النجم الآية 4

(5) سورة النور الآية 54

(6) سورة النحل الآية 44

(7) سورة إبراهيم الآية 4

(8) سورة العنكبوت الآية 18

(9) سورة الحجر الآية 89

هذه القاعدة تجعلها أكبر بكثير من أن تعارض ببعض أقوال منسوبة لهذا الصحابي أو لذاك ، وعلينا أن نتحرى جيدا في توثيق ما قد يكون هناك من أقوال منسوبة ، ثم تحديد مضمونها بما لا يتعارض مع تلك القاعدة التي لو اهتزت قيد أنملة لانهار الإسلام من أساسه .

3 -من الحقائق الثابتة ثبوتا لا يقبل الشك أن العرب في الجاهلية كانوا يتعاملون بالربا ، بل لقد كان إحدى حقائق عصرهم ومعيشتهم واقتصادهم ، وأن صور هذا التعامل الربوي لم تكن واحدة بل كانت متعددة سواء من حيث الشكل والصورة أو من حيث الدوافع والأهداف ، فمن حيث الصورة والشكل وجدت الزيادة على الدين التي تشترط ويتفق عليها عند عقد الدين ، كما وجدت الزيادة التي تحدث عند انتهاء الأجل وعدم المقدرة على السداد ، هذه ثابتة وهذه ثابتة ، ومن يطلع على كتب التفسير والتاريخ وغيرها يعلم ذلك يقينا . وسوف نعرض لذلك في حينه .

ومن حيث الدوافع والأهداف كان هناك الدين بربا لأغراض الاستهلاك ، وكان هناك بكثرة وغالبية الدين بربا لأغراض البيع والتجارة والإنتاج (1) ، ويكفي أن نشير إلى أنه كان مصدرا أساسا من مصادر تمويل رحلتي الشتاء والصيف"تمويل التجارة الخارجية"كما أنه لم يكن قاصرا على ضعف المركز المالي للمدين في مواجهة المركز المالي للدائن بل كثيرا ما كان العكس ، تاجر كبير أو قبيلة كبيرة تتاجر فتحصل على التمويل"الدين بربا"من أفراد عديدة فتذهب لتشتري وتبيع وتسدد الدين برباه .

هذا كله ثابت ثبوتا راسخا بمصادر علمية موثقة .

(1) د . محمد فاروق النبهان '' مفهوم الربا في ظل التطورات المعاصرة '' ص80 .

4 -القرآن الكريم حرم الربا دون أن يخصص ذلك بنوع دون نوع وصورة دون أخرى ، وليس هناك نص قراني أو حتى نبوي أن الربا الذي حرمه القرآن هو فقط ربا الجاهلية .

ومعنى ذلك أنه إذا كانت هناك صورة قائمة عند نزول التحريم أو قبله فإنها تحرم ، فإذا أحدثت صور أخرى للربا فإنها تحرم هي الأخرى بنص القرآن الكريم ، ومعنى ذلك أن كل صور الربا تحرم بالنص حتى ولو لم تظهر إلا بعد آلاف السنين من نزول القرآن ؛ لأن القرآن لم ينزل لعصر دون عصر بل نزل لأمة ممتدة عبر الزمن موغلة في الاستقبال ، ويخاطب به آخر فرد زمنا في أمة الدعوة تماما كما خوطب به أول فرد فيها . وإذن فلا وجه لمن يقول ولو كان القائل فقيها إن الربا المحرم في القرآن هو ربا الجاهلية فقط ، وإلا فسوف يطرد ذلك على كل المحرمات ، زنا الجاهلية ، كذب الجاهلية ، سرقة الجاهلية . . إلخ . يضاف إلى ذلك أنه كما هو معروف فإن آيات الربا في سورة البقرة هي من أواخر آيات النزول . هذه المسلمة لها دلالتها الخطيرة في موضوعنا هذا ، فمن المعروف أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد قال وفعل وأقر الكثير والكثير خلال فترة الدعوة الممتدة ، ومن ذلك ما يتعلق بالربا ، سواء ما كان معروفا لدى الجاهلية أو ما كان يمارس دون أن يعرف بأنه ربا ، وعندما باع صحابي تمرا بتمر بزيادة قال الرسول - صلى الله عليه وسلم: « أوه عين الربا » (1) وكررها . من الواضح أن تلك صورة جديدة لم تكن تدخل في صور الربا المعروفة وإلا ما عملها الصحابي أو أن هذه كانت بداية التشريع في موضوع الربا . وسواء كان هذا أو ذاك فإن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: « عين الربا » (2) يفهم منه

(1) صحيح البخاري الوكالة (2188,2188) ,صحيح مسلم المساقاة (1594,1594) ,سنن النسائي البيوع (4557) ,مسند أحمد بن حنبل (3/62) .

(2) صحيح البخاري الوكالة (2188) ,صحيح مسلم المساقاة (1594) ,سنن النسائي البيوع (4557) ,مسند أحمد بن حنبل (3/62) .

أن جوهر الربا وحقيقته ومعناه واحد والذي يتميز ويختلف هو الصور والأشكال . وهناك احتمالان ، إما أن هذا الحديث وغيره مما يدخل في موضوعنا قد قاله الرسول عليه السلام قبل نزول آيات الربا أو بعده . فإن كانت الآيات قد نزلت سلفا ، فتكون تلك الأحاديث مبينة وشارحة لمضمون الربا الذي ورد في القرآن الكريم ، بالإضافة إلى ما هو معهود أصلا لديهم من صوره التي كانت تمارس في الجاهلية . وإن كانت الآيات قد نزلت لاحقا فمعنى ذلك أن الربا في القرآن الذي ورد ودون تخصيص أو تغيير يشمل كل صور الربا ، سواء منها ما كان معروفا في الجاهلية أو ما بينته السنة الشريفة ، وكذلك كل صورة تجد له إلى قيام الساعة حيث بقاء الأمة والدعوة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت