لا مثيل له ، بل إن حظرها يهدد كيان الدولة والأمة الإسلامية ويقضي نهائيا على مصالحهم الاقتصادية ويجعلهم تحت رحمة أعدائهم وأعداء دينهم الذين يتحكمون في ثرواتهم ، بل يستخدمونها لزيادة قوتهم ضد أمة الإسلام .
وردنا على ما انتهى إليه الكاتب في موضوع الأسباب الذي ألمحنا إليه يتلخص فيما يلي: أ ) إنه قد سبق لنا عند مناقشة الأسباب ومقارنتها بيان أن ما ذكره الكاتب من أسباب للربا المحرم بعضه ليس من باب الأسباب ، والبعض الآخر متحقق في المعاملة المصرفية وأنه لذلك تنطبق عليها حقيقة الربا المحرم ، إذ هي قرض بفائدة محددة في مقابل الأجل وأن القول بغير هذا إما جهل أو مكابرة ، ومن ثم فإنه لا يجوز النظر في إباحتها من خلال المصالح المدعاة إذ لا عبرة للمصلحة في مقابل النص .
ب ) إن جواز المعاملة المصرفية قياسا على السلم لعلة الحاجة قياس غير سليم من وجهين: الأول: أن علة الحاجة غير متحققة في الفرع وهو المعاملة المصرفية ، إذ حاجة الناس تتم دون هذه المعاملة ومن ثم لا حاجة إليها .
الثاني: إن السلم ثابت شرعا بالنصوص الصحيحة الصريحة من السنة المطهرة هذا مع العلم بأنه لو فتح باب إبطال النصوص بالمصالح والحاجات المدعاة ؛ لكان في ذلك إبطال الشريعة وهدمها بأهواء الناس والعياذ بالله .
ج ) إن حظر المعاملة المصرفية لا يوقع الناس ولا الدولة في حرج لا مثيل له كما يدعي الكاتب ، ولا يقضي نهائيا على المصالح الاقتصادية لأن الناس عاشوا ويعيشون بدون هذه المعاملة المصرفية ، وتتم مصالحهم المعيشية بدونها بل العكس هو الصحيح ، فإن شيوع الربا عن طريق المصارف أو
غيرها أكبر ضربة توجه إلى اقتصاد الدول والشعوب كما صرح بذلك أساطين الاقتصاد كما أشرنا إلى ذلك آنفا .
د ) إن القول بحضر هذه المعاملة ليس مبنيا على ارتياح النفس أو عدم ارتياحها ، وإنما هو مبني على النص والإجماع المحرمين لهذه المعاملة التي لا تكييف لها إلا أنها قرض بفائدة محدودة مقابل الأجل ، ومع ذلك فإننا نقول بالبديل عنها وهو نظام المضاربة ( القراض ) المجمع على جوازه شرعا ، وهو ما تعامل به المسلمون في سائر العصور إذ لا يتحقق في هذه المعاملة الربا ، ويتحمل فيها كل من صاحب المال والعامل نصيبه من الربح والخسارة ومن ثم ينتفي فيها الظلم عن كل منهما .
والخلاصة أن الكاتب لم يوفق في إضفاء الشرعية على معاملة المصارف التي تقرض المستغلين من أصحاب المصانع والمتاجر والعقارات ونحوهم بفائدة محدودة ، وأن كل ما ذكره لإثبات هذه الشرعية إنما هي شبهات واهية لا يثبت بها ما يدعيه . ولم يزد على أن جاء بملخص لما سبقه إليه الدكتور معروف الدواليبي في مقاله الذي نشره باللغة الفرنسية عام 1371 هـ الموافق 1951م (1) ، وقد اطلعت عليه في العام الماضي مكتوبا باللغة العربية . والذي نراه بديلا لهذه المعاملات الربوية هي المضاربة إذا التزم فيها أحكام الشرع التي قررها الفقهاء استنباطا من كتاب الله العزيز وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع فقهاء الأمة .
والله تعالى ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل .
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه .
محمد بن أحمد الصالح
(1) انظر تاريخ الفكر الاقتصادي ص57 للدكتور لبيب شقير .
بل الفائدة المصرفية من ربا النسيئة
رد على بحث الدكتور إبراهيم بن عبد الله الناصر حول"موقف الشريعة الإسلامية من المصارف ."
"للدكتور / شوقي أحمد دنيا"
الاسم شوقي أحمد دنيا .
الميلاد من مواليد جمهورية مصر العربية .
المؤهل 1 ) بكالوريوس تجارة قسم الاقتصاد كلية التجارة جامعة الأزهر .
2 )ماجستير في الاقتصاد بعنوان"الإسلام والتنمية الاقتصادية"من تجارة الأزهر .
3 )دكتواره في الاقتصاد بعنوان"تمويل التنمية في الاقتصاد الإسلامي - دراسة مقارنة من تجارة الأزهر ."
العمل عضو هيئة التدريس بقسم الاقتصاد الإسلامي - كلية الشريعة - الرياض .
الإنتاج العلمي: من مؤلفاته: ( 1 ) دراسات في الاقتصاد الإسلامي"كتاب".
( 2 ) أعلام الاقتصاد الإسلامي"كتاب".
( 3 ) نقد لكتاب في الفكر الاقتصادي الإسلامي للدكتور فاضل عباس الحسب"بحث منشور".
( 4 ) النقود بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد الوضعي"بحث منشور".
( 5 ) تقلبات القوة الشرائية للنقود وأثر ذلك على الائتمان الاقتصادي والاجتماعي"بحث منشور".
بالإضافة إلى أبحاث أخرى في مؤتمرات وندوات خاصة بالاقتصاد الإسلامي .
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد بن عبد الله وعلى اله وصحبه ومن عمل بشريعته وتمسك بسنته إلى يوم الدين .
وبعد: فهذه ورقة حول الدراسة التي قدمها الدكتور إبراهيم الناصر المستشار القانوني بمؤسسة النقد السعودي بشأن"موقف الشريعة الإسلامية من المصارف".
وبداية نحب أن نؤكد على أن مهمة وحدود هذه الورقة هي مجرد مناقشة الورقة التي قدمها الدكتور إبراهيم ، وبيان ما فيها وما عليها ، مع العلم بأن الموضوع في ذاته هو أكبر بكثير من هذه الورقة ، وهو برغم كثرة ما كتب فيه بحاجة إلى بحث معمق يحتاج إلى مزيد من الجهد ومن الوقت ، نرجو الله تعالى أن ييسر لنا ولغيرنا ذلك .
ومجمل مناقشتنا يخلص إلى مخالفة الدكتور إبراهيم فيما قدمه من مقدمات وفيما توصل إليه من نتائج . منهجنا في هذه الورقة هو مناقشة التحليلات والمقدمات التي طرحها الأخ الكاتب ، وكذلك مناقشة ما توصل إليه من نتائج ، مع إعطاء لمحة سريعة عن البديل الإسلامي .
ويمكن إجمال ما قدمه الكاتب في ورقته في صيغتها الثانية الأكثر شمولا وتفصيلا بأنه تناول مفهوم الربا في كل من القرآن والسنة كما فهمه . ثم عرض لموقف بعض العلماء من المصارف مضيفا إلى ذلك . مناقشة لطبيعة الأعمال المصرفية وبوجه خاص ومراكز ، بل وأساسي عملية"الإيداع"وبعجالة عملية"الإقراض المصرفي"وخلص من بحثه هذا إلى نتائج تتلخص في أن الأعمال المصرفية الحالية لا تدخل في الربا القرآني المجمع على تحريمه , وإنما هي معاملة مستجدة تخضع للقواعد العامة للشريعة ومقاصدها المتمثلة في تحقيق مصالح الناس .
ولم يقف عند هذا الحد بل واصل القول مصرحا بأنها حلال استنادا إلى أنها ليست من الربا الذي حرمه القرآن الكريم وعملا بالمصلحة التي نوه بها بعض العلماء واستئناسا بموقف العلماء المعاصرين ، كما دعم هذا الموقف بما أشار إليه من أن بعض أنواع الربا حرمت تحريم وسائل لا تحريم مقاصد فتباح عند الحاجة ، كما أن فكرة الترخيص معتد بها شرعا وهناك سوابق في إباحة بعض المحظورات كالسلم ، كذلك فقد استند إلى التقلبات الكبيرة في قيمة النقود والهبوط المستمر لها ، ومن ثم فمن العدل القول بإباحة الفائدة على القروض خاصة إذا ما أخذنا في الحسبان الأهمية الكبيرة التي تحتلها المصارف في حياتنا المعاصرة .
هذه هي الفكرة الأساسية التي تدور حولها ورقة الأخ الكاتب (1) .
وقبل المناقشة التفصيلية لما في هذه الورقة من مقدمات ونتائج نرى من الضروري أولا الإشارة في عجالة وإجمال إلى بعض النقاط الأساسية التي تعتبر بمثابة قواعد أو مسلمات أساسية لا يقوم أي نقاش علمي جاد لهذا الموضوع في غيبتها .