فهرس الكتاب

الصفحة 419 من 1226

الشبهة الثانية: أن الحكمة في تحريم الربا هي إزالة الظلم الناشئ عن استغلال الغني حاجة المحتاج ، والظلم غير متحقق في اقتراض كبار التجار وأصحاب رؤوس الأموال من المصارف بالفوائد لتنمية أموالهم وتجارتهم ومصانعهم ؛ لأنهم ليسوا محتاجين ويستأنس الكاتب بقول الشيخ رشيد رضا: ولا يخفى أن المعاملة التي ينتفع ويرحم فيها الآخذ والمعطي التي لولاها فاتتهما المنفعة معا لا تدخل في هذا التعليل { لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ } (1) .

الرد على هذه الشبهة: إن الشبهة ليست بشيء في مقام الاستدلال لما يأتي: أ ) إن حكمة تحريم الربا ليست منحصرة في إزالة الظلم الناشئ عن استغلال الغني حاجة الفقر ، بل هناك حكم أخرى للتحريم ، منها القضاء على البطالة والكسل بالنسبة للدائنين ودفعهم إلى العمل واستخلاص الرزق بالسعي في الأرض والمشي في مناكبها . ومنها أنه يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل لعدم العوض المقابل للزيادة الربوية . ومنها أنه يؤدي للعداوة والبغضاء والمشاحنات والخصومات ؛ لأنه ينزع عاطفة التراحم من القلوب وتضيع به المودة ويذهب المعروف بين الناس وتحل القسوة محل الرحمة .

(1) سورة البقرة الآية 279

ب ) إن هذا الوجه في الاستدلال تعليل بالحكمة والراجح لدى الأصوليين هو عدم التعليل بالحكمة لعدم انضباطها وظهورها .

ج ) إنه على فرض جواز التعليل بالحكمة وانحصارها في إزالة الظلم فإنها ليست منحصرة في الفقير المحتاج ، بل هي أيضا متحققة أيضا بالنسبة للغني غير المحتاج ، إذ هي أكل لماله بالباطل لعدم المقابل للزيادة الربوية من مال أو منفعة أو مصلحة ، ويؤيد ذلك أن النص القرآني الوارد في تحريم الربا لم يفرق بين الفقير المحتاج والغني غير المحتاج ؟ كما يؤيده أيضا قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع « ( وأول ربا أضعه تحت قدمي هاتين ربا عمي العباس ) » (1) ومعروف أن العباس يتعامل مع تجار قريش من الأغنياء ، ولم يكن مع الفقراء المحتاجين ؛ لأن مكانته من ذلك معروفة بإطعام الحجاج وسقايتهم ومواساة المحتاجين لا يسيغ هذا الإدعاء .

(1) صحيح البخاري الحج (1693) ,صحيح مسلم الحج (1218) ,سنن الترمذي الحج (856) ,سنن النسائي مناسك الحج (2763) ,سنن أبو داود المناسك (1905) ,سنن ابن ماجه المناسك (3074) ,مسند أحمد بن حنبل (3/321) ,موطأ مالك الحج (836) ,سنن الدارمي المناسك (1850) .

الشبهة الثالثة: إن عملية الاقتراض من المصرف بفائدة تعتبر من البيع ، والبيع جائز حلال ، وفي ذلك يقول الكاتب نقلا عن الشيخ رشيد رضا ومقرا لقوله: إن المعاملة التي يقصد بها الاتجار لا القرض للحاجة هي من قسم البيع لا من قسم استغلال حاجة المحتاج . ثم يضيف إلى ذلك قولا للشيخ رشيد وهو: أنه ليس في أخذ الربح من صندوق التوفير والمصارف ظلما لأحد ولا قسوة على محتاج حتى في دار الإسلام . اهـ .

الرد على هذه الشبهة: للرد على هذه الشبهة نقول: إن المعاملة المصرفية التي نحن بصدد مناقشتها لا تعتبر بيعا بأي معيار أو قياس من المعايير أو المقاييس الشرعية إذ ليس فيها بائع ومشتري ومبيع وثمن ، وإنما هي قرض بفائدة مقابل الأجل وهذا هو الربا بعينه ، نعم قد يبيع المقترض ويشتري ويتاجر بما اقترضه ولكن ذلك مع غير المصرف والمصرف لا علاقة له بهذه التجارة ؛ لأنه لم يعطه المال مشاركة أو مضاربة

أو على أي وجه من الوجوه التجارية ، وإذن فالادعاء بأن هذه المعاملة من قسم البيع ادعاء باطل وتخرج سخيف لا يقصد منه في نظرنا إلا التمويه على الناس لدفعهم إلى التعامل بالربا .

أما فتوى الشيخ رشيد رضا بحل أخذ الربح من صناديق الادخار والتوفر والمصارف فهي فتوى مخالفة للنصوص الشرعية ، إذ لا يجوز أخذ الربح من صندوق التوفر أو من المصارف التي تدفع أرباحا عن الأموال المودعة بها ، وذلك لأن صناديق التوفر والمصارف لا تستثمر أموالها في تجارة أو صناعة أو زراعة تحصل منها على أرباح وأموالها تأتي عن طريق إقراضها بفوائد فيأخذ البنك حصة منها ويعطي المدخر أو المودع البعض الآخر ، فالكثير من البنوك الآن يعطي المودع 6% فوائد بينما يأخذ هذا البنك نفسه من المقترض 14 % كما أفاد البنك المركزي المصري دار الإفتاء المصرية بذلك ، وإذن فما يأخذه المدخر أو المودع يعتبر أكلا للمال بالباطل وهذا ظلم فبطلت هذه الشبهة .

الشبهة الرابعة: إن خصائص الربا القرآني - في نظر الكاتب - لا تتحقق في المعاملة المصرفية التي نحن بصددها وهي الاقتراض بالفائدة . ويحدد الكاتب خمس خصائص للربا القرآني التي يسميها أسبابا ثم يري أنها ليست متحققة في المعاملة المصرفية ، ومن ثم تكون هذه المعاملة جائزة في نظر الشريعة الإسلامية ونستعرض هذه الخصائص وتطبيقها ثم نبين وجه البطلان فيها أو في تطبيقها أو فيهما معا: أ ) يرى الكاتب أن الخاصة الأولى من الربا القرآني المحرم هي: أن المدين لا بد أن يكون محتاجا للصدقة عملا بظروف الدين ولذلك فهو مظلوم بأخذ الربا منه .

ويمكن أن نرد شبهة الكاتب ومن سبقه في هذا الميدان بأن النصوص

القرآنية المحرمة للربا وردت عامة أو مطلقة لم تفرق بين الفقير المحتاج والغني القادر ، فتخصيصها أو تقييدها بما يكون مع الفقير المحتاج يحتاج إلى دليل ، وما ذكر على أنه دليل للتخصيص أو التقييد لا يعتبر دليلا أو شبه دليل لما يلي: أولا: أن الحث على التصدق لم يرد في كل آيات الربا وحسبنا أن آية التحريم الصريحة هي قوله تعالى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } (1) لم يعقبها الحث على الصدقة .

ثانيا: أن الحث على التصدق الوارد عقب بعض الآيات ليس خاصا بالمدين دينا ربويا ، بل يشمله ويشمل غيره ، لورود الحث على الصدقة بصيغ عامة .

ثالثا: أن الغرض من الحث على الصدقة في بعض الآيات هو بيان الطريق السوي الأمثل الذي يجب أن يسلكه المرابي بدل طريق الربا المحرم ، بل هو حث له ولغيره فلا علاقة للحث على الصدقة التي تكون للفقير المحتاج بحقيقة الربا المحرم .

رابعا: أنه على فرض دلالة الحث على الصدقة على أن الربا المحرم هو الذي يكون مع الفقير المحتاج فإنه لا طريق لذلك إلا الاقتران ، ودلالة الاقتران دلالة غير معتبرة عند كثير من العلماء ومن يعتبرها فإنه يقرر أنها دلالة ضعيفة .

خامسا: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أهدر ربا عمه العباس - رضي الله عنه - ومن المعروف أن العباس كان يرابي مع التجار الأغنياء ولم يكن يرابى مع المحتاجين من الفقراء كما قررناه من قبل ، وهذا يدل على أن الربا المحرم ليس قاصرا على المعاملة مع الفقراء المحتاجين ، والرسول عليه الصلاة والسلام

(1) سورة البقرة الآية 275

مبين لما جاء في القرآن الكريم وكل ذلك يدل على بطلان هذه الخاصة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت