فهرس الكتاب

الصفحة 420 من 1226

سادسا: أن العرب كانوا تجارا وكانت تجارتهم تمتد إلى خارج بلادهم في الشام واليمن فما المانع لهم من التعامل بالربا في التجارة ؟ ثم الذي يقول ( إنما البيع مثل الربا ) هم التجار أو الفقراء المحتاجون للصدقة ؟ أليسوا هم التجار الذين يتعاملون بالربا ويقيسونه على البيع ويجعلونه نوعا من أنواع البيع كما يقول بعض كتاب هذا العصر ؟ وما دخل الفقراء المحتاجين في جعل الربا مثل البيع وهم لا يزاولون بيعا ولا تجارة ؟ ثم أليس في مقابلة الربا بالبيع في قوله تعالى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } (1) ما يشعر بأن العرب كانت تتعامل في الربا للأغراض التجارية ؟ إن ذلك كله يدل على أن تحريم الربا نزل في مجتمع كان فريق التجار فيه يتعاملون بالربا ، وهو ربا استغلالي وليس ربا استهلاكيا ، ومعنى هذا أن تحريم الربا يشمل الربا الاستهلاكي والاستغلالي ومن ثم تبطل شبهتهم ودعواهم في قصر الربا على الربا الاستهلاكي . ثم هل قامت المصارف أو تقوم بإقراض أهل الحاجة والفقر قروضا حسنة بدون فوائد ؟ أو أنها سلبتهم البقية الباقية من أموالهم بدون إشفاق على ضعفهم أو رحمة بصغارهم أو مراعاة لحاجتهم وأحوالهم .

سابعا: أن قصر الربا القرآني المحرم على المعاملة مع الفقير المحتاج دون الغني القادر ، أو بعبارة أخرى قصره على الربا الاستهلاكي دون الربا الاستغلالي لم يقل به أحد من المفسرين ولا أحد من الفقهاء ، ولم يظهر منه شيء في تعريفاتهم للربا على اختلاف مذاهبهم ومناهجهم ، ولم يظهر القول به إلا في هذا العصر على لسان من يدعي التحرر والاجتهاد ومن هؤلاء صاحب المقال . ولكنه بكل أسف على حساب الشريعة بإخضاعها لواقع الناس وأهوائهم ، إننا لسنا ضد التجديد والاجتهاد بل

(1) سورة البقرة الآية 275

على العكس ندعو إلى فتح أبوابهما على مصاريعها ولكن في إطار نصوص الشريعة وقواعدها الكلية ، وفي الحدود المرسومة للاجتهاد والاستنباط من الكتاب والسنة ، ونخلص من ذلك كله إلى أن الاحتياج للصدقة ليس خاصية للربا المحرم ولا جزءا من حقيقته ولا وصفا لازما له ، وإن الرأي القائل بأن الربا القرآني المحرم هو ربا الاستهلاك أي الربا الذي يأخذه الدائن من الفقير الذي يستهلك الدين في حاجته الضرورية من طعام وشراب وكساء ومأوى ودواء دون ربا الاستغلال أي الربا الذي يأخذه الدائن من الغني الذي يقصد بدينه الاستثمار في التجارة أو الزراعة أو الصناعة ، قول باطل لعدم استناده إلى دليل من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس أو لغة أو نظر سليم أو قول لأحد من الفقهاء ، بل الأدلة قائمة على تحريم كل من ربا الاستهلاك وربا الاستغلال بما ذكرناه سابقا وبما سيأتي .

ونختم هذه النقطة بفتوى مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة في مؤتمره الثاني المنعقد في شهر المحرم 1385 هـ ( مايو 1965م ) ونصها: والفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم لا فرق بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي ( الاستغلالي ) ، وكثير الربا في ذلك وقليله حرام ، والإقراض بالربا محرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة والاقتراض بالربا كذلك ، ولا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه ضرورة ، وكل امرئ متروك لدينه في تقدير الضرورة . وقد جاء في بحث هيئة كبار علمائنا ما نصه (1) : أما الفوائد على بقاء الودائع لدى المودع فأمرها جلي واضح في أنها تجمع بين نوعي الربا ، ربا الفضل وربا النسيئة حيث يأخذ المودع زيادة على ما دفع مع التأخير .

ب ) يرى الكاتب أن الخاصة الثانية في الربا القرآني هي أن الدائن ينفرد

(1) مجلة البحوث الإسلامية ، العدد الثامن ، ص 41 ، 42

وحده بالمنفعة من الربا وهذه الخاصة غير متحققة في المعاملات المصرفية التي نحن بصددها ؛ لأن الدائنين فيها وهم الملاك الصغار - نقصد الذين أودعوا أموالهم في البنوك ابتغاء الفائدة - ويمثلهم المصرف لا يختص وحده بالمنفعة دون المدين ، بل يشترك مع الكبار في المنفعة بموجب عقد رضائي تجاري لا استغلال فيه . ويوضح الكاتب هذا المعنى فيقول في ص 6: لأن المدين وهو المالك الكبير مشترك في المنفعة مع الدائن وهو المالك الصغير وذلك باستثماره أموال الدين بما فيه مصلحة الجميع . ونرد على هذا التوجيه بأن المنفعة التي جاءت عن طريق الكبار واشترك فيها الصغار منفعة غير مشروعة ، إذ لا سند لها سوى ما ادعاه الكاتب من أنها تمت بموجب عقد تجاري رضائي ، وهذه دعوى غير صحيحة إذ ما هو نوع العقد التجاري ؟ إن كان بيعا فأين هو البائع ؟ إن كان صغار المالكين فهؤلاء لا يعرفهم الآخذ من المصرف ولا يعرفونه ، وإن كان المصرف فأين المبيع الذي وقع التعاقد عليه ، وإن كان نوع العقد شركة ، فتحديد المصرف نسبة معينة يبطل الشركة بإجماع الفقهاء ، لماذا تكون هذه النسبة ضئيلة في الغالب ؟ ثم إن كانت شركة فلماذا لا يتحمل المصرف الخسارة كما هو الشأن في سائر الشركات ، وإن كان نوع المعاملة رهنا فأين العين المرهونة ؟ لا شيء من ذلك كله ، إذا فأين الحقيقة ؟ إن النظر الفقهي السليم لا يمكن أن يكيف هذه المعاملة إلا بأنها قرض بفائدة ، وهذا هو عين الربا .

ثم إن قول الكاتب إن المدين دائما يكون من كبار المالكين قول ينقضه الواقع ، إذ إن كثيرا ممن يتعامل مع المصارف ليسوا من كبار المالكين ، بل فيهم الموظف الذي يقترض بضمان مرتبه وغير الموظف الذي يقترض بضمان أحد القادرين ، فهذا التعميم الذي ادعاه الكاتب غير صحيح

من ناحية الواقع العملي ويؤدي إلى أن تعامل المصرف مع هؤلاء غير جائز شرعا في نظر الكاتب ؛ لأن هؤلاء محتاجون إلى الصدقة فيعود هذا التعميم على أصله بالنقض وهو مالا يرضاه الكاتب .

وقول الكاتب إن المالك الكبير يستثمر أموال الدين بما فيه مصلحة الجميع مغالطة مكشوفة ، إذ أن المالك الكبير يستثمر أموال الدين لمصلحته فقط ويعطي المصرف الفائدة المتفق عليها فقط دون المشاركة في الربح ، والقول بغير هذا مكابرة وإنكار لواقع المعاملة .

ج ) ويذهب الكاتب إلى أن الخاصة الثالثة للربا المحرم هي مجرد تنمية لمال الدائن في أموال المدين من تجارة ينتفع بها الطرفان ، وإن هذه الخاصة ليست متحققة في المعاملة المصرفية ؛ لأنها تجارة من نوع جديد جرى التعارف عليها ودعت إليها حاجة الناس أجمعين حتى أصبحت مصالحهم في معاشهم لا تتم إلا بها وينتفع بها الطرفان المعطي والآخذ ، ثم قال والمعاملة التي يقصد بها الاتجار لا القرض للحاجة هي من قسم البيع لا من قسم استغلال حاجة المحتاج ، ويؤيد هذا المبدأ في شرعية المنفعة التي لا ضرر فيها على أحد قول ابن قدامة: إن ما فيه مصلحة من غير ضرر بأحد فهو جائز ، وإن الشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا ضرر فيها وإنما يرد بمشروعيتها ، وقول شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه: إن كل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج وهو منتف شرعا .

ونرد على الكاتب بأن المعاملة المصرفية التي نحن بصددها ليست من التجارة ولا من قسم البيع لعدم سمات التجارة فيها ، ولأنه لا يوجد بها مبيع يقع عليه عقد البيع وإنها لا تتم في المصرف على أنها بيع ، بل على أنها قرض بفائدة محددة تدفع في كل عام ، والتدليل على أنها تجارة بتعارف الناس عليها تعليل غير سليم ؛ لأن الناس جميعا لم يتعارفوا عليها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت