فهرس الكتاب

الصفحة 418 من 1226

1 -إن قول صاحب المقال ( إن الربا المجمع على تحريمه هو ربا النسيئة فقط ) . خطأ فاحش لما قدمنا من الإجماع على أصل تحريمه في الأصناف الستة وإن الاختلاف بينهم إنما هو في غير الأصناف الستة بسبب اختلافهم في مناط الحكم وعلته ، أي أنه اختلاف في التطبيق وليس اختلافا في الأصل (1) .

2 -إن ما جاء في المقال من ( أن النص عند عقد الدين على الزيادة على أصل الدين في مقابلة الأجل هو ربا الفضل ) . خطأ أيضا ، وهو خلط بين القسمين لأن الزيادة في مقابل الأجل من خصائص النسيئة غالبا ، وقد يجتمع النوعان في ربا النسيئة كما لو باع ذهبا بذهب أكثر منه أو أقل إلى أجل أو فضة بفضة أكثر منها أو أقل منها إلى أجل وهكذا ما يشبه ذلك من أصناف الربا ، ثم أي فرق بين الزيادة لأجل الأجل في ابتداء عقد الدين ، والزيادة لأجل الأجل في المرة الثانية عند عجز المدين عن الوفاء وطلبه التأجيل ؟ ولماذا كانت الزيادة في المرة الأولى جائزة مع وجود ربا الفضل والنسيئة ومحرمة عند أنظاره في آخر العقد عند العجز ؟ . اللهم إن هذا حكم لا يقوم عليه دليل وخلط غير مستقيم .

3 -إن بعض الكتاب المعاصرين من الذين يدعون التحرر والاجتهاد ويقسمون الربا إلى نوعين: ربا استهلاك وربا استثمار .

ويريدون بربا الاستهلاك الربا الذي يدفعه المدين مع القرض الذي استهلكه في حاجة نفسه وأولاده من طعام وكسوة وسكنى ودواء ودفع حاجة ونحوها .

ويريدون بربا الاستثمار: ما يدفعه المدين مع القرض الذي

(1) انظر نيل الأوطار للشوكاني 5 \ 161 - 167

صرفه في توسيع تجارته أو مصانعه أو أرضه بقصد الربح والفائدة . ويقولون إن النوع الأول هو المحرم ؛ لأن الغني يستغل حاجة الفقر المحتاج . أما النوع الثاني فإنهم يقولون بجوازه وحله ، ومن هؤلاء صاحب المقال الذي بين أيدينا ، وسيأتي بيان وجهة نظرهم والرد عليها .

4 -أما بالنسبة لإضفاء الشرعية على المعاملة المصرفية وهي الاقتراض من المصرف بفائدة تدفع مع أصل الدين حسب اتفاق المصرف مع المدين ، إن الكاتب استند في ادعاء هذه الشرعية إلى شبه نوردها ثم نبدي رأينا فيها:

الشبهة الأولى: إن الزيادة الأولى في الدين المؤجل هي من ربا الفضل وربا الفضل حرم سدا للذريعة ، وما كان كذلك فيجوز التعامل به إذا اقتضت مصلحة الناس هذا التعامل ، وقد اقتضت المصلحة ذلك لأن معاش الناس لا يتم إلا بهذا التعامل . وقد استند في هذه الشريعة إلى فتوى الشيخ رشيد رضا وأقوال لابن تيمية وابن القيم وابن قدامة وابن حزم - ص 4 من المقال .

تفنيد هذه الشبهة: نرد على هذه الشبهة بالنقاط التالية: أ- إن الزيادة الأولى ليست من ربا الفضل وحده ، بل هي جامعة لربا الفضل والنسيئة كما تقدم لأنها في مقابل التأجيل قطعا ، واعتبارها من ربا الفضل وحده قول لا نعلمه لأحد من أهل العلم ممن يعتد بقوله من الفقهاء المتقدمين والمتأخرين ، فهو قول باطل وفيه مغالطة وتلبيس .

2 -إن القول بأن ربا الفضل حرام سدا للذريعة قول باطل لا يقوم على دليل ، إذ إن ربا الفضل محرم ابتداء وقصدا ، كما تدل عليه

الأحاديث الخاصة بتحريمه ، ونسبة هذا القول لابن القيم خطأ إذ لم يقل به أصلا (1) . وإنما تحدث رحمه الله عن بيع المعدوم وأشار إلى أن الشريعة تراعي المصالح ولم يتحدث عن ربا الفضل أصلا ، وقد ساق الكاتب عبارته عن الأخذ بالمصالح مبتورة محرفة .

3 -إن القول بجواز التعامل به إذا اقتضت المصلحة ذلك بناء على أن تحريمه مبني على سد الذريعة قول باطل ؛ لأن تحريم ربا الفضل ثابت بنصوص السنة الصحيحة الصريحة القوية في دلالتها ومثل هذه لا يجوز معارضتها بالمصلحة ؛ لأن المصلحة لا اعتبار لها أمام النصوص الصحيحة ، إذ هي لا تعتبر إلا في الوقائع المسكوت عنها ، أي التي لم يرد بحكمها نص بالاعتبار أو الإلغاء ، أو في الوقائع التي بني الحكم فيها على سد الذريعة ابتداء ، على أن القول بتحكيم المصلحة في النصوص قول باطل لم يؤثر إلا عن نجم الدين الطوفي من فقهاء الحنابلة في القرن الثامن ، وقد رفضه العلماء قديما وحديثا مبينين بطلانه وفساده إذ لو حكمت المصالح في النصوص تهدمت الشريعة وخضعت لأهواء الناس وفي ذلك ضياع لها والعياذ بالله .

4 -إن القول بأن معايش الناس لا تتم إلا بهذه المعاملة قول لا يؤيده شيء من النصوص أو واقع المعاملات بين الناس ، بل إن النصوص ومعاملات الناس تدل على استقامة الحياة وتمام المعيشة بدون هذه المعاملة الربوية ، ولما دخلت هذه المعاملة حياة الناس أوجدت الكثير من النكد والتنغيص وفساد الحالة الاقتصادية ، ومما يؤيد ذلك ما

(1) في الكتاب الذي أشار إليه صاحب المقال وهو '' زاد المعاد ''

قرره أساطين الاقتصاد في العالم من أن أكبر ضربة قاصمة توجه إلى اقتصاد أي دولة تأتي من ناحية الربا ، ولقد حرمت روسيا الملحدة التعامل بالربا ، فهل ضعف اقتصادها وهل أصاب معيشة أهلها شيء من الضنك والضيق والمشقة بسبب عدم التعامل بالربا ؟

بل إن ما أصابهم ويصيبهم من الضيق والضنك إنما هو لجور الأنظمة الماركسية . إن اقتراض التجار وأصحاب رؤوس الأموال من الأغنياء لا تدعو إليه حاجة فضلا عن الضرورة ، فالتاجر يقترض من المصرف لتوسيع تجارته وصاحب المصنع يقترض للتوسع في صناعته وأصحاب المزارع يقترضون للتوسع في الزراعة ووفرة الإنتاج ، وهذه ليست أمورا أساسية لا تتم حياة الناس ومعايشهم إلا بها ، وإنما هي أمور توسيعيه لا تشكل حاجة في حياة الناس فضلا عن الضرورة .

وقد يقال إن الأمة في حاجة إلى التوسع في وسائل الإنتاج لتكون قوية وقادرة على مواجهة الأحداث الاقتصادية ومواجهة الدول التي تستغل الدول الإسلامية نتيجة ضعفها المادي والاقتصادي . والجواب عن هذا: إن الحاجة إلى التوسع المذكور تسد من قبل الدولة أو من قبل الأفراد بتكوين الشركات الضخمة والمصانع العملاقة واستصلاح الأراضي البور ، وذلك كله وظيفة الدولة وهي وظيفة واجبة كلها ومسؤولة عنها أمام الله سبحانه وتعالى .

5 -أما فتوى الشيخ رشيد رضا التي استند إليها الكاتب في كلامه فإنه ليس ممن يحتج بقوله إذا كان معه غيره فما بالك إذا انفرد وخالف النص ، أما ما نقله الكاتب عن ابن قدامة وابن تيمية وابن القيم وابن حزم فهي نصوص بعضها مبتور عن أصله ، وبعضها غير

موافق لما قالوه في غير هذه المواضع وكلا الأمرين غير صالح للاحتجاج (1) .

(1) وعلى فرض موافقتها لرأي الكاتب قد تقرر في الأصول أن كل رأي يخالف النصوص من الكتاب والسنة لا يجوز التعويل عليه يقول اللّه عز وجل: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ، وقوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت