فهرس الكتاب

الصفحة 412 من 1226

وكذلك الذي قام به المنكر في إتلافه . نهي عن العود إلى ذلك المنكر وليس إتلاف ذلك واجبا على الإطلاق ، بل إذا لم يكن في المحل مفسد جاز إبقاؤه إما لله وإما أن يتصدق به ، كما أفتى طائفة من العلماء على هذا الأصل أن الطعام المغشوش من الخبز والطبيخ والشواء كالخبز والطعام الذي لم ينضج ، وكالطعام المغشوش وهو الذي خلط بالردئ وأظهر المشتري أنه جيد أو نحو ذلك يتصدق به على الفقراء فإن ذلك أولى من إتلافه .

وإذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أتلف اللبن الذي شيب للبيع فلأن يجوز التصدق بذلك بطريق الأولى فإنه يحصل به عقوبة الغاش وزجره عن العود ويكون انتفاع الفقراء بذلك أنفع من إتلافه .

وعمر أتلفه ؛ لأنه يغني الناس بالعطاء فكان الفقراء عنده في المدينة إما قليلا وأما معدومين ، ولهذا جوز طائفة التصدق به وكرهوا إتلافه . ففي المدونة عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب كان يطرح اللبن المغشوش في الأرض أو بالصاحبة ، وكره ذلك مالك في رواية ابن القاسم ورأى أن يتصدق به وهل يتصدق باليسير؟ فيه قولان للعلماء وقد روى أشهب عن مالك منع العقوبات المالية وقال: ( لا يحل ذنب من الذنوب مال إنسان وإن قتل نفسا) لكن الأول أشهر عنه . وقد استحسن أن يتصدق باللبن المغشوش ، وفي ذلك عقوبة الغاش بإتلافه عليه ونفع المساكين بإعطائهم إياه ولا يهراق . قيل لمالك فالزعفران والمسك أتراه مثله؟ قال ما أشبهه بذلك إذا كان هو غشه فهو كاللبن ، قال ابن القاسم: هذا في الشيء الخفيف منه ، فأما إذا كثر منه فلا أرى ذلك وعلى صاحبه العقوبة لأنه يذهب في ذلك أموال عظام يريد في الصدقة بكثيره . قال بعض الشيوخ وسواء على مذهب مالك كان ذلك يسيرا أو كثيرا ؛ لأنه ساوى في ذلك بين الزعفران واللبن والمسك قليله وكثيره . وخالفه ابن القاسم فلم ير أن يتصدق من ذلك إلا بما كان يسيرا . وذلك إذا كان هو الذي غشه ، وأما من وجد عنده شيء من ذلك مغشوش لم يغشه هو إنما اشتراه أو وهب له ، أو ورثه فلا خلاف في أنه لا يتصدق بشيء من ذلك . وممن أفتى بجواز إتلاف المغشوش من الثياب ابن القطان قال في الملاحف الرديئة النسج تحرق بالنار ، وأفتى ابن عتاب فيها بالتصدق ، وقال تقطع خرقا وتعطى للمساكين إذا تقدم إلى مستعمليها فلم ينتهوا ، وكذلك أفتى بإعطاء الخبز المغشوش للمساكين فأنكر عليه ابن القطان وقال لا يحل هذا في مال امرئ مسلم إلا بإذنه .

قال القاضي أبو الأصبغ: وهذا اضطراب في جوابه وتناقض في قوله لأن جوابه في الملاحف بإحراقها بالنار أشد من إعطاء هذا الخبز للمساكين ، وابن عتاب أضبط في أصله ذلك ، وأتبع لقوله .

وإذا لم ير ولي الأمر عقوبة الغاش بالصدقة أو الإتلاف فلا بد أن يمنع وصول الضرر إلى الناس بذلك الغش . إما بإزالة الغش ، وإما ببيع المغشوش ممن يعلم أنه مغشوش ولا يغشه على غيره .

قال عبد الملك بن حبيب ، قلت لمطرف وابن الماجشون لما نهينا عن التصدق بالمغشوش لرواية أشهب فما وجه الصواب عندكما فيمن غش أو نقص من الوزن؟

قالا: يعاقب بالضرب والحبس والإخراج من السوق ، وما كثر من الخبز واللبن ، أو غش من المسك والزعفران فلا يفرق ولا ينهب . قال عبد الملك بن حبيب: ولا يرده الإمام إليه وليؤمن ببيعه عليه من يأمن أن يغش به ، ويكسر الخبز إذا كثر ، ويسلمه لصاحبه ، ويباع عليه العسل ، والسمن واللبن الذي يغشه ممن يأكله ويبين له غشه . هكذا العمل فيما غش من التجارات .

قال: وهو إيضاح من استوضحته ذلك من أصحاب مالك وغيرهم (1) .

وقال القاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعلى رحمه الله تعالى في كتابه طبقات الحنابلة في ترجمة عبد الله بن محمد بن المهاجر المعروف بفوزان قال عنه:

ومن جملة مسائله قال: سمعت أحمد يقول: إذا اختلط المال وكان فيه حلال وحرام . فالزهري ومكحول قالا إذا اختلط الحلال والحرام فكل هذا عندي من مال السلطان كما قال عليه رحمه الله تعالى (بيت المال يدخله الخبيث والطيب) فمال السلطان يدخله الحلال والحرام ، فيوصل إلى الرجل فيأكل منه فأما إذا كان حلالا وحراما من ميراث ، أو أفاد رجل مالا حراما وحلالا: فإنه يرد على أصحابه فإن لم يعرفهم ولم يقدر عليهم: تصدق به ، فإن لم يعلم كم الحلال والحرام يتصدق بقدر ما يرى أن فيه من الحرام . وأكل الباقي (2) .

ومما قاله ابن رجب رحمه الله تعالى في الذيل على الطبقات المذكورة ما نصه:

ومما نقلته من خط السيف بن المجد من فتاوى جده الشيخ موفق الدين وقد سئل عن معاملة من في ماله حرام فأجاب الورع: اجتناب معاملة من في ماله حرام فإن من اختلط الحرام في ماله: صار في ماله

(1) انظر كتاب '' الحسبة في الإسلام'' لشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، تحقيق محمد زهري النجار، من منشورات المؤسسة السعيدية بالرياض، من صفحة 101 إلى 105.

(2) انظر كتاب طبقات الحنابلة للقاضي أبي الحسين محمد بن أبي يعلى، الجزء (الأول) ، صفحة 196.

شبهة بقدر ما فيه من الحرام إن كثر الحرام كثرت الشبهة ، وإن قل قلت ، وذكر حديث « الحلال بين والحرام بين » (1) وأما في ظاهر الحكم: فإنه يباح معاملة من لم يتعين التحريم في الثمن الذي يؤخذ منه؛ لأن الأصل: أن ما في يد الإنسان ملكه . وقد قال بعض السلف بع الحلال ممن شئت يعني إذا كانت بضاعتك حلالا فلا حرج عليك في بيعها ممن شئت ، ولكن الورع ترك معاملة من في ماله الشبهات ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك »

وقال ابن نجيم - القاعدة الرابعة عشرة- ما حرم أخذه حرم إعطاؤه كالربا ومهر البغي وحلوان الكاهن والرشوة وأجرة النائحة والزامر إلا في مسائل الرشوة ؛ لخوف على نفسه أو ماله أو ليسوي أمره عند سلطان أو أمير إلا للقاضي فإنه يحرم الأخذ والإعطاء كما بيناه في شرح الكنز من القضاء وفك الأسير ، وإعطاء شيء لمن يخاف هجوه . ولو خاف الوصي أن يستولي غاصب على المال فله أداء شيء ليخلصه كما في الخلاصة . انتهى (2) .

وقال الشيخ ملا علي القارئ في كلامه عن التوبة وأركانها: فإن كانت من مظالم الأموال فتتوقف صحة التوبة منها مع ما قدمناه في حقوق الله تعالى على الخروج عن عهدة الأموال وإرضاء الخصم في الحال والاستقبال بأن يتحلل منهم أو يردها إليهم أو إلى من يقوم مقامهم من وكيل أو وارث هذا ، وفي القنية رجل عليه ديون لأناس لا يعرفهم من غصوب أو مظالم أو جنايات يتصدق بقدرها على الفقراء على عزيمة القضاء إن وجدهم مع التوبة إلى الله .

ولو صرف ذلك المال إلى الوالدين والمولودين أي الفقراء يصير معذورا

(1) صحيح البخاري الإيمان (52) ,صحيح مسلم المساقاة (1599) ,سنن الترمذي البيوع (1205) ,سنن النسائي البيوع (4453) ,سنن أبو داود البيوع (3329) ,سنن ابن ماجه الفتن (3984) ,مسند أحمد بن حنبل (4/270) ,سنن الدارمي البيوع (2531) .

(2) انظر كتاب الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة، صفحة 158.

فيها أيضا عليه ديون لأناس شتى كزيادة في الأخذ ونقص في الدفع فلو تحرى في ذلك وتصدق بثوب قوم بذلك يخرج عن العهدة ، قال: فعرف بهذا أن في هذا لا يشترط التصدق بجنس ما عليه . وفي فتاوى قاضيخان: رجل له حق على خصم فمات ولا وارث له تصدق عن صاحب الحق بقدر ما له عليه ليكون وديعة عند الله يوصلها إلى خصمائه يوم القيامة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت