فهرس الكتاب

الصفحة 411 من 1226

(فرع) قال الغزالي: إذا كان معه مال حرام وأراد التوبة والبراءة منه فإن كان له مالك معين وجب صرفه إليه أو إلى وكيله ، فإن كان ميتا وجب دفعه إلى وارثه ، وإن كان لمالك لا يعرفه ويئس من معرفته فينبغي أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة ، كالقناطر والربط والمساجد ومصالح طريق مكة ، ونحو ذلك مما يشترك المسلمون فيه ، وإلا فيتصدق به على فقير أو فقراء وينبغي أن يتولى ذلك القاضي إن كان عفيفا فإن لم يكن عفيفا لم يجز التسليم إليه ؛ فإن سلم إليه صار المسلم ضامنا بل ينبغي أن يحكم رجلا من أهل البلد متدينا عالما ، فإن التحكيم أولى من الانفراد فإن عجز عن ذلك تولاه بنفسه ، فإن المقصود هو الصرف إلى هذه الجهة .

وإذا دفعه إلى الفقير لا يكون حراما على الفقير بل يكون حلالا طيبا ، وله أن يتصدق به على نفسه وعياله إذا كان فقيرا ؛ لأن عياله إذا كانوا فقراء فالوصف موجود فيهم ، بل هم أولى من يتصدق عليه . وله هو أن يأخذ منه قدر حاجته ؛ لأنه أيضا فقير . وهذا الذي قاله الغزالي في هذا الفرع ذكره آخرون من الأصحاب وهو كما قالوه ، ونقله الغزالي أيضا عن معاوية بن أبي سفيان وغيره من السلف عن أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وغيرهما من أهل الورع ؛ لأنه لا يجوز إتلاف هذا المال ورميه في البحر ، فلم يبق إلا صرفه في مصالح المسلمين ، والله سبحانه وتعالى أعلم (1) .

أقول: وقد فصل الغزالي الكلام على هذا الموضوع في كتابه (الإحياء) في الجزء الثاني منه تحت عنوان- باب كيفية خروج التائب عن المظالم المالية- فذكر كيفية التمييز والإخراج والمصرف فارجع إليه لمزيد . ومن مسائله التي ذكرها ما يلي:

(1) المجموع شرح المهذب، جزء (9) ، صفحة 342 و 343.

مسألة:

إذا كان الحرام أو الشبهة في يد أبويه فليمتنع عن مؤاكلتهما ، فإن كانا يسخطان فلا يوافقهما على الحرام المحض بل ينهاهما فلا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى ، فإن كان شبهة وكان امتناعه للورع فهذا قد عارضه أن الورع طلب رضاهما ، بل هو واجب فليتلطف في الامتناع فإن لم يقدر فليوافق ؛ وليقلل الأكل بأن يصغر اللقمة ويطيل المضغ ولا يتوسع فإن ذلك عدوان . إلى أن قال:

مسألة:

سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى فقال له قائل: مات أبي وترك مالا وكان يعامل من تكره معاملته فقال تدع من ماله بقدر ما ربح فقال: له دين وعليه دين فقال: تقضي وتقتضي ، فقال: أفترى ذلك؟ فقال: أفتدعه محتبسا بدينه؟ وما ذكره صحيح وهو يدل على أنه رأى التحري بإخراج مقدار الحرام ؛ إذ قال: يخرج قدر الربح ، وأنه رأى أن أعيان أمواله ملك له بدلا عما بذله في المعاوضات الفاسدة بطريق التقابض والتقابل مهما كثر التصرف وعسر الرد وعول في قضاء دينه على أنه يقين فلا يترك بسبب الشبهة (1) .

(1) كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، الجزء (الثاني) ، من ص 163 إلى صفحة 172، نشر مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع.

ويقول شمس الدين محمد بن مفلح في كتابه (الآداب الشرعية) ما نصه:

(فصل في الحلال والحرام والمشتبه فيه وحكم الكثير والقليل من الحرام)

هل تجب طاعة الوالدين في تناول المشتبه وهو ما بعضه حلال وبعضه حرام؟ ينبني على مسألة تحريم تناوله وفيها أقوال في المذهب .

أحدها: التحريم مطلقا قطع به شرف الإسلام عبد الوهاب في كتابه المنتخب ذكره قبيل باب الصيد . وعلل القاضي وجوب الهجرة من دار الحرب بتحريم الكسب عليه هناك لاختلاط الأموال لأخذه من غير جهته ووضعه في غير حقه . قال الأزجي في نهايته: هو قياس المذهب كما قلنا في اشتباه الأواني الطاهرة بالنجسة ، وقدمه أبو الخطاب في الانتصار في مسألة اشتباه الأواني . وقد قال أحمد: لا يعجبني أن يأكل منه . وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن الذي يتعامل بالربا يؤكل عنده قال لا؟ قد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله ، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوقوف عند الشبهة ، وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام » (1) . وفي البخاري عن أنس بن مالك قال: (إذا دخلت على مسلم لا يتهم فكل من طعامه واشرب من شرابه) وعن الحسن بن علي مرفوعا: « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » (2) رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه .

والثاني: إن زاد الحرام على الثلث حرم الأكل وإلا فلا . قدمه في الرعاية لأن الثلث ضابط في مواضع .

والثالث: إن كان الأكثر الحرام حرم ؛ وإلا فلا إقامة للأكثر مقام الكل لأن القليل تابع قطع به ابن الجوزي في المنهاج . وذكر الشيخ تقي الدين أنه أحد الوجهين ، وقد نقل الأثرم وغير واحد عن الإمام أحمد فيمن ورث مالا ينبغي إن عرف شيئا بعينه أن يرده ، وإلا كان الغالب في ماله الفساد تنزه عنه أو نحو هذا ، ونقل عنه حرب في الرجل يخلف مالا إن

(1) صحيح البخاري الإيمان (52) ,صحيح مسلم المساقاة (1599) ,سنن الترمذي البيوع (1205) ,سنن النسائي البيوع (4453) ,سنن أبو داود البيوع (3329) ,سنن ابن ماجه الفتن (3984) ,مسند أحمد بن حنبل (4/270) ,سنن الدارمي البيوع (2531) .

(2) سنن الترمذي صفة القيامة والرقائق والورع (2518) ,سنن النسائي الأشربة (5711) ,مسند أحمد بن حنبل (1/200) ,سنن الدارمي البيوع (2532) .

كان غالبه نهبا أو ربا ينبغي لوارثه أن يتنزه عنه إلا أن يكون يسيرا لا يعرف ، ونقل عنه أيضا هل للرجل أن يطلب من ورثة إنسان مالا مضاربة ينفعهم وينتفع؟ قال إن كان غالبه الحرام فلا .

والرابع: عدم التحريم مطلقا قل الحرام أو كثر وهو ظاهر ما قطع به وقدمه غير واحد لكن يكره ، وتقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته . قدمه الأزجي وغيره وجزم به في المغني ، وعن أبي هريرة مرفوعا: « إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعاما فليأكل من طعامه ولا يسأله عنه . وإن سقاه شرابا من شرابه فليشرب من شرابه ولا يسأله عنه » (1) رواه أحمد ، وروى جماعة من حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن ذر بن عبد الله عن ابن مسعود أن رجلا سأله فقال: لي جار يأكل الربا ولا يزال يدعوني؟ فقال مهنأة لك وإثمه عليه ، قال الثوري إن عرفته بعينه فلا تأكله ، ومراد ابن مسعود وكلامه لا يخالف هذا . وروى جماعة من حديث معمر أيضا عن أبي إسحاق عن الزبير بن الحارث عن سلمان قال إذا كان لك صديق عامل فدعاك إلى طعام فاقبله ، فإنه مهنأة لك وإثمه عليه . قال معمر وكان عدي بن أرطاة عامل البصرة يبعث إلى الحسن كل يوم بجفان ثريد فيأكل منها ويعلم أصحابه . وبعث عدي إلى الشعبي وابن سرين والحسن فقبل الحسن والشعبي ورد ابن سيرين . قال: وسئل الحسن عن طعام الصيارفة فقال قد أخبركم الله عن اليهود والنصارى أنهم كانوا يأكلون الربا وأحل لكم طعامهم (2) وحول ما يتلف من المنكر ومذاهب العلماء فيه . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه (الحسبة في

(1) مسند أحمد بن حنبل (2/399) .

(2) انظر كتاب الآداب الشرعية والمنح المرعية جزء (1) ، من صفحة 496 إلى ص 502 فالكلام مستوفى هناك.

الإسلام) ما نصه:

مقدار ما يتلف من المنكر ومذاهب العلماء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت