وإذا غصب مسلم من ذمي مالا أو سرق منه فإنه يعاقب به يوم القيامة ؛ لأن الذمي لا يرجى منه العفو فكانت خصومة الذمي أشد ، ثم هل يكفيه أن يقول: لك علي دين فاجعلني في حل أم لا بد أن يعين مقداره ، ففي النوازل رجل له على آخر دين وهو لا يعلم بجميع ذلك ، فقال له المديون: أبرئني مما لك علي . فقال الدائن: أبرأتك فقال نصير رحمه الله لا يبرأ إلا عن مقدار ما يتوهم أي يظن أنه عليه ، وقال محمد بن سلمة رحمه الله عن الكل قال الفقيه أبو الليث حكم القضاء ما قاله محمد بن سلمة وحكم الآخرة ما قاله نصير ، وفي القنية من عليه حقوق فاستحل صاحبها ولم يفصلها فجعله في حل يعذر إن علم أنه لو فصله يجعله في حل وإلا فلا قال بعضهم: إنه حسن وإن روى أنه يصير في حل مطلقا . وفي الخلاصة رجل قال لآخر حللني من كل حق هو لك ففعل فأبرأه إن كان صاحب الحق عالما به برئ حكما بالإجماع ، وأما ديانة فعند محمد رحمه الله لا يبرأ ، وعند أبي يوسف يبرأ وعليه الفتوى- انتهى ، وفيه أنه خلاف ما اختاره أبو الليث ، ولعل قوله مبني على التقوى (1) .
وقد سئل الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى هذا السؤال: إذا دخل عليه محرم لكسبه فما الحكم؟ فأجاب بما نصه:
ج: من دخل عليه محرم لكسبه ، فلا يخلو من ثلاث حالات: إحداها: أن يكون عن منفعة محرمة استوفاها من انتقل منه المال
(1) كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة وشرحه للشيخ ملا علي القارئ الحنفي، ص 44ا- 145.
فهنا لا يرد المال لصاحبه ، لكن على من كان بيده التصدق به .
الثانية: أن يصل إليه لا عن وجه المعاوضة كالمغصوب فيلزم رده إلى مالكه أو ورثته .
الثالثة: أن يكون بيده مال لغير من يعلمه كالمغصوب والودائع التي جهل أربابها فله دفعها إلى الإمام أو نائبه وله التصدق بها عنهم؛ لعدم إيصال نفع مالهم إليهم إلا في هذه الصورة . فإذا وجد صاحبه أو ورثته بعد ما تصدق بها خيره بين إمضاء ذلك التصرف ، أو يكون الأجر لصاحبها الأصيل ، وبين أن يرد هذا التصدق ، ويكون الأجر للذي تصدق به ، ويضمن المال لصاحبه . أما المحرم لذاته كالميتة ، فلا يجوز مطلقا (1) كما سئل رحمه الله تعالى هذا السؤال: إذا كان عندك مال مغصوب وتعذر معرفة صاحبه فما الحكم؟ وعلى أي قاعدة ينبني؟ فأجاب بما نصه:
ج: من تعذر عليه معرفة صاحب الشيء يتصدق به عن صاحبه بشرط الضمان ، أو يسلمه إلى الحاكم ويبرأ من تبعته ، وذلك مثل إذا كان عندك وديعة لإنسان أو مال مغصوب ، وتعذر عليك معرفة صاحبه وأيست من ذلك فأنت بالخيار ؛ إما أن تعطيها الحاكم ؛ لأن الحاكم ينوب مناب الشخص المجهول ويجعلها في المصالح العامة ، وإما أن تتصدق بها عن صاحبها وتنوي إذا وجدته خيرته بين أن تقدمها له ويكون لك أجر الصدقة بها أو يمضي ما تصدقت به . ويكون الأجر له (2)
(1) الفتاوى السعدية، الجزء (الأول) ، صفحة 434.
(2) الفتاوى السعدية، الجزء (الأول) ، صفحة 430.
جـ- حكم المال المغلول
لما كان المال المغلول من المكاسب التي حرمها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم رأيت أن أكتب بعض ما قاله العلماء فيه .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى (حديث آخر) قال أحمد حدثنا أبو سعيد حدثنا عبد العزيز بن محمد حدثنا صالح بن محمد بن زائدة عن سالم بن عبد الله أنه كان مع مسلمة بن عبد الملك في أرض الروم فوجد في متاع رجل غلولا قال: فسأل سالم بن عبد الله فقال حدثني أبي عبد الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من وجدتم في متاعه غلولا فأحرقوه » (1)
قال: وأحسبه قال (واضربوه) قال: فأخرج متاعه في السوق فوجد فيه مصحفا فسأل سالما ؟ فقال بعه وتصدق بثمنه . وكذا رواه علي بن المديني وأبو داود والترمذي من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي . زاد أبو داود وأبو إسحاق الفزاري كلاهما عن أبي واقد الليثي الصغير صالح بن محمد بن زائدة به ، وقال علي بن المديني والبخاري وغيرهما: هذا حديث منكر من رواية أبي واقد هذا ، وقال الدارقطني: الصحيح أنه من فتوى سالم فقط ، وقد ذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث الإمام أحمد بن حنبل ومن تابعه من أصحابه . وقد رواه الأموي عن معاوية عن أبي إسحاق عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: عقوبة الغال أن يخرج رحله فيحرق على ما فيه . ثم روى عن معاوية عن أبي إسحاق عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن علي قال: (الغال يجمع رحله فيحرق ويجلد دون حد المملوك ويحرم نصيبه) . وخالفه أبو حنيفة ومالك والشافعي والجمهور فقالوا: لا يحرق متاع الغال ، بل يعزر تعزير مثله: وقد قال البخاري وقد
(1) سنن أبو داود الجهاد (2713) ,مسند أحمد بن حنبل (1/22) ,سنن الدارمي السير (2490) .
امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة على الغال ، ولم يحرق متاعه والله أعلم (1) انتهى المقصود مما ذكره ابن كثير رحمه الله تعالى .
وعند تفسير قوله تعالى: { وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } (2)
ذكر القرطبي رحمه الله تعالى حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال: « لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك . . » (3) . ) الحديث .
ومن كلام القرطبي على هذا الحديث قال:
الرابعة: وفي هذا الحديث دليل على أن الغال لا يحرق متاعه ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرق متاع الوجل الذي أخذ الشملة ، ولا أحرق متاع صاحب الخرزات الذي ترك الصلاة عليه"ولو كان حرق متاعه واجبا لفعله صلى الله عليه وسلم ولو فعل لنقل ذلك في الحديث ، وأما ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه » (4) فرواه أبو داود والترمذي من حديث صالح بن محمد بن زائدة وهو ضعيف لا يحتج به . قال الترمذي: سألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد وهو أبو واقد الليثي ، وهو منكر الحديث ."
وروى أبو داود أيضا عنه قال: (غزونا مع الوليد بن هشام ومعنا سالم بن عبد العزيز بن عمر وعمر بن عبد العزيز ، فغل رجل متاعا فأمر الوليد بمتاعه فأحرق وطيف به ولم يعطه سهمه ، قال أبو داود: وهذا أصح الحديثين ، وروي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه . قال أبو داود
(1) تفسير ابن كثير، جزء (1) ، صفحة 423.
(2) سورة آل عمران الآية 161
(3) صحيح البخاري الجهاد والسير (2908) ,سنن أبو داود الزكاة (1658) .
(4) سنن الترمذي الحدود (1461) ,سنن أبو داود الجهاد (2713) ,سنن الدارمي السير (2490) .
وزاد فيه علي بن بحر عن الوليد ولم أسمعه منه- ومنعوه سهمه . قال أبو عمر قال بعض رواة هذا الحديث: واضربوا عنقه واحرقوا متاعه . وهذا الحديث يدور على صالح بن محمد وليس ممن يحتج به . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث » (1) وهو ينفي القتل في الغلول . وروى ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ليس على الخائن ولا على المنتهب ولا على المختلس قطع » (2) . وهذا يعارض حديث صالح بن محمد ، وهو أقوى من جهة الإسناد .