فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 1226

الوجه الثاني من تصرفات الغاصب في المال المغصوب: أن يتصدق عن صاحبه إذا عجز عن رده إليه وإلى ورثته فهذا جائز عند أكثر العلماء: منهم مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم . قال ابن عبد البر: ذهب الزهري ومالك والثوري والأوزاعي والليث إلى أن الغال إذا تفرق أهل العسكر ولم يصل إليهم أنه يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي ، روي ذلك عن عبادة بن الصامت ومعاوية والحسن البصري ، وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أنهما كانا يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه ، وقال قد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وانقطاع صاحبها ، وجعلوه إذا جاء مخيرا بين الأجر والضمان ، وكذلك المغصوب . انتهى .

وروي عن مالك بن دينار قال سألت عطاء بن أبي رباح عمن عنده مال حرام ولا يعرف أربابه ويريد الخروج منه؟ قال: يتصدق به ولا أقول: إن ذلك يجزئ عنه . قال مالك كان هذا القول من عطاء أحب إلي من زنة ذهب . وقال سفيان فيمن اشترى من قوم شيئا مغصوبا: يرده إليهم ، فإن لم يقدر عليهم يتصدق به كله ولا يأخذ رأس ماله ، وكذا قال فيمن باع شيئا ممن تكره معاملته لشبهة ماله قال: يتصدق بالثمن وخالفه ابن

(1) لمزيد من التفاصيل والإيضاح في هذا الموضوع جامع العلوم والحكم لابن رجب , من ص 88 حتى صفحة 90

المبارك وقال: يتصدق بالربح خاصة . وقال أحمد يتصدق بالربح ، وكذا قال فيمن ورث مالا من أبيه وكان أبوه يبيع ممن يكره معاملته: إنه يتصدق منه بمقدار الربح ويأخذ الباقي وقد روي عن طائفة من الصحابة نحو ذلك: منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وعبد الله بن يزيد الأنصاري رضي الله عنه ، والمشهور عن الشافعي رحمه الله في الأموال الحرام أنها تحفظ ولا يتصدق بها حتى يظهر مستحقها ، وكان الفضيل بن عياض يرى أن من عنده مال حرام لا يعرف أربابه أنه يتلفه ويلقيه في البحر ولا يتصدق به . وقال لا يتقرب إلى الله إلا بالطيب . والصحيح الصدقة به ؛ لأن إتلاف المال وإضاعته منهي عنه ، وإرصاده أبدا تعريض له للإتلاف واستيلاء الظلمة عليه ، والصدقة به ليست عن مكتسبه حتى يكون تقربا منه بالخبيث وإنما هي صدقة عن مالكه ليكون نفعه له في الآخرة حيث يتعذر عليه الانتفاع به في الدنيا (1) .

ونستخلص مما سبق في شرح الحديثين ما يلي:

أ- معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط: إن كان أكثره الحرام فينبغي تجنبه وهو الأولى؛ لأن الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال: (ينبغي أن يتجنبه إلا أن يكون شيئا يسيرا لا يعرف) .

وإن كان المال شبهة فالورع في تركه بل هو ما ينبغي عملا بقوله عليه الصلاة والسلام: « فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول العمى يوشك أن يرتع فيه » (2) ، والمال المشتبه حلاله بحرامه إن كان المال كثيرا أخرج منه قدر الحرام وتصرف في الباقي ، وإن كان المال قليلا اجتنبه كله .

ب- أن الصدقة بالمال الحرام غير مقبولة لما تقدم من قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: « إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا » (3) ، ولقوله

(1) جامع العلوم والحكم , ص 88, 89, 90 .

(2) صحيح البخاري الإيمان (52) ,صحيح مسلم المساقاة (1599) ,سنن الترمذي البيوع (1205) ,سنن النسائي البيوع (4453) ,سنن أبو داود البيوع (3329) ,سنن ابن ماجه الفتن (3984) ,مسند أحمد بن حنبل (4/270) ,سنن الدارمي البيوع (2531) .

(3) صحيح مسلم الزكاة (1015) ,سنن الترمذي تفسير القرآن (2989) ,مسند أحمد بن حنبل (2/328) ,سنن الدارمي الرقاق (2717) .

أيضا: « لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول » (1) . وغير ذلك من الأحاديث التي مرت . والمقصود بذلك أن السارق أو الغاصب أو الخائن مثلا ، لا يجوز له أن يتصدق بما سرقه أو بما اغتصبه أو بما خانه أو جحده عن نفسه فإنه لا يقبل منه ولا يؤجر عليه بل يأثم بتصدقه بمال غيره بغير إذنه ولا يحصل للمالك أيضا بذلك أجر لعدم قصده ونيته

جـ - أن السارق للمال أو الغاصب أو الخائن له إذا أراد أن يتصرف في هذا المال بعد توبته يجوز له أن يتصدق به عن صاحبه إذا عجز عن رده إليه أو إلى ورثته . وهذا هو الأولى وذلك لاختيار الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره من الأئمة ، ومنهم الإمام مالك وأبو حنيفة كما قالوا في الغال إذا تفرق العسكر أنه يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي ، وكما قالوا في جواز التصدق باللقطة بعد تعريفها وانقطاع صاحبها وجعلوه إذا جاء مخيرا بين أن يكون أجر التصدق بها له أو الضمان .

وهذا ما أراه نظرا ؛ لتظافر الأدلة السابقة عليه ؛ ولأن القائل به كثير من أهل العلم رحمهم الله تعالى .

ولأن إتلاف المال وإضاعته منهي عنه ، وإرصاده أبدا تعريض له للإتلاف واستيلاء الظلمة عليه ، والصدقة به ليست عن مكتسبه حتى يكون تقربا بالخبيث ، وإنما هي صدقة به عن مالكه . والله أعلم

وسئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن الأموال التي يجهل مستحقها مطلقا أو مبهما فإن هذه عامة النفع لأن الناس قد يحصل في أيديهم أموال يعلمون أنها محرمة لحق الغير إما لكونها قبضت ظلما كالغصب وأنواعه من الجنايات والسرقة والغلول . وإما لكونها قبضت بعقد فاسد من ربا أو ميسر ، ولا يعلم عين المستحق لها . وقد يعلم أن المستحق أحد رجلين ولا يعلم عينه ، كالميراث الذي يعلم أنه لإحدى الزوجين الباقية دون المطلقة . والعين التي يتداعاها اثنان فيقر بها ذو اليد لأحدهما

(1) صحيح مسلم الطهارة (224) ,سنن الترمذي الطهارة (1) ,سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (272) ,مسند أحمد بن حنبل (2/73) .

فمذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة ومالك وعامة السلف إعطاء هذه الأموال لأولى الناس بها . ومذهب الشافعي أنها تحفظ مطلقا ولا تنفق بحال . فيقول فيما جهل مالكه من الغصوب والعواري والودائع إنها تحفظ حتى يظهر أصحابها كسائر الأموال الضائعة . ويقول في العين التي عرفت لأحد رجلين: يوقف الأمر حتى يصطلحا ومذهب أحمد وأبي حنيفة فيما جهل مالكه أنه يصرف عن أصحابه في المصالح كالصدقة على الفقراء ، وفيما استبهم مالكه القرعة عند أحمد والقسمة عند أبي حنيفة . إلى أن قال: وتحريم هذه جميعا يعود إلى الظلم فإنها تحرم لسببين:

أحدهما: قبضها بغير طيب نفس صاحبها ولا إذن الشارع ، وهذا هو الظلم المحض كالسرقة ، والخيانة ، والغصب الظاهر ، وهذا أشهر الأنواع بالتحريم .

والثاني: قبضها بغير إذن الشارع . وإن أذن صاحبها وهي العقود والقبوض المحرمة كالربا ونحو ذلك والواجب على من حصلت بيده ردها إلى مستحقها . فإذا تعذر ذلك فالمجهول كالمعدوم وقد دل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في اللقطة: « فإن وجدت صاحبها فارددها إليه وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء » (1) وكذلك اتفق المسلمون على أن من مات ولا وارث له معلوم فماله يصرف في مصالح المسلمين .

إلى أن قال: وله دليلان قياسيان قطعيان كما ذكرنا من السنة والإجماع فإن ما لا يعلم بحال أو لا يقدر عليه بحال ، هو في حقنا بمنزلة المعدوم ، فلا نكلف إلا بما نعلمه ونقدر عليه . والدليل الثاني: القياس مع ما ذكرنا من السنة والإجماع أن هذه الأموال لا تخلو إما أن تحبس ، وإما أن تتلف ، وإما أن تنفق .

فأما إتلافها فإفساد لها { وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ } (2) وهو إضاعة لها ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن إضاعة المال ، وإن كان في مذهب أحمد ومالك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت