عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ، ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب » (1) . رواه البخاري ومسلم .
يقول ابن رجب في شرح هذا الحديث:
ويتفرع على هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط ، فإن كان أكثر ماله الحرام فقال أحمد: ينبغي أن يتجنبه إلا أن يكون شيئا يسيرا شيئا لا يعرف . واختلف أصحابنا هل هو مكروه أو محرم على وجهين ، وإن كان أكثر ماله الحلال جازت معاملته والأكل من ماله ، وقد روى الحارث عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال في جوائز السلطان: لا بأس بها ما يعطيكم من الحلال أكثر مما يعطيكم من الحرام ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعاملون المشركين وأهل الكتاب مع علمهم أنهم لا يجتنبون الحرام كله ، وإن اشتبه الأمر فهو شبهة والورع تركه ، قال سفيان يعجبني ذلك وتركه أعجب إلي ، وقال الزهري ومكحول: لا بأس أن يؤكل منه ما لم يعرف أنه حرام بعينه فإن لم يعرف في ماله حرام بعينه ولكن علم أن فيه شبهة فلا بأس بالأكل منه نص عليه أحمد في رواية حنبل . وذهب إسحاق بن راهويه إلى ما روي عن ابن مسعود وسليمان وغيرهما من الرخصة وإلى ما روي عن الحسن وابن سيرين في إباحة الأخذ بما يقضى من الربا والقمار . ونقله عنه ابن منصور وقال الإمام أحمد في المال المشتبه حلاله بحرامه: إن كان المال كثيرا أخرج منه قدر الحرام وتصرف في الباقي ، وإن كان المال قليلا اجتنبه كله؛ وهذا لأن القليل إذا تناول منه شيئا فإنه يتعذر معه السلامة من الحرام بخلاف الكثير .
(1) صحيح البخاري الإيمان (52) ,صحيح مسلم المساقاة (1599) ,سنن الترمذي البيوع (1205) ,سنن النسائي البيوع (4453) ,سنن أبو داود البيوع (3329) ,سنن ابن ماجه الفتن (3984) ,مسند أحمد بن حنبل (4/270) ,سنن الدارمي البيوع (2531) .
ومن أصحابنا من حمل ذلك على الورع دون التحريم وأباح التصرف في القليل والكثير بعد إخراج قدر الحرام منه ، وهو قول الحنفية وغيرهم ، وأخذ به قوم من أهل الورع منهم بشر الحافي . ورخص قوم من السلف في الأكل ممن يعلم في ماله حرام ما لم يعلم أنه من الحرام بعينه فصح كما تقدم عن مكحول والزهري ، وروي مثله عن الفضل بن عياض وروي في ذلك آثار عن السلف (1) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى وقال تعالى تم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك » (4) رواه مسلم . - مما جاء في شرح هذا الحديث يقول ابن رجب: وأما الصدقة بالمال الحرام فغير مقبولة كما في صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول » (5) وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ما تصدق عبد بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه » (6) وذكر الحديث ، وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: « لا يكتسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك فيه ولا يتصدق به فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ، إن الله لا يمحو السيئ
(1) جامع العلوم والحكم، من ص 58 إلى ص 62، وله زيادة تفصيل في الموضوع فارجع إليه.
(2) صحيح مسلم الزكاة (1015) ,سنن الترمذي تفسير القرآن (2989) ,مسند أحمد بن حنبل (2/328) ,سنن الدارمي الرقاق (2717) .
(3) سورة المؤمنون الآية 51 (2) { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا }
(4) سورة البقرة الآية 172 (3) { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ }
(5) صحيح مسلم الطهارة (224) ,سنن الترمذي الطهارة (1) ,سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (272) ,مسند أحمد بن حنبل (2/73) .
(6) صحيح البخاري الزكاة (1344) ,صحيح مسلم الزكاة (1014) ,سنن الترمذي الزكاة (661) ,سنن النسائي الزكاة (2525) ,سنن ابن ماجه الزكاة (1842) ,مسند أحمد بن حنبل (2/431) ,موطأ مالك الجامع (1874) ,سنن الدارمي الزكاة (1675) .
بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن ، إن الخبيث لا يمحو الخبيث » (1) ويروى من حديث دراج عن ابن حجيرة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من كسب مالا حراما فتصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه » أخرجه ابن حبان في صحيحه ورواه بعضهم موقوفا على أبي هريرة ، وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من أصاب مالا من مأثم فوصل به رحمه وتصدق به أو أنفقه في سبيل الله جمع ذلك جميعا ثم قذف به في نار جهنم » . وروي عن أبي الدرداء ويزيد بن ميسرة أنهما جعلا مثل من أصاب مالا من غير حلة فتصدق به مثل من أخذ مال يتيم وكسا به أرملة ، وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عمن كان على عمل فكان يظلم ويأخذ الحرام ثم تاب فهو يحج ويعتق ويتصدق منه فقال: إن الخبيث لا يكفر الخبيث ، وكذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: إن الخبيث لا يكفر الخبيث ، ولكن الطيب يكفر الخبيث ، وقال الحسن: أيها المتصدق على المسكين ترحمه ارحم من قد ظلمت (2) .
واعلم أن الصدقة بالمال الحرام تقع على وجهين: أحدهما: أن يتصدق به الخائن أو الغاصب ونحوهما على نفسه ، فهذا هو المراد من هذه الأحاديث أنه لا يتقبل منه يعني أنه لا يؤجر عليه بل يأثم بتصرفه في مال غيره بغير إذنه . ولا يحصل للمالك بذلك أجر لعدم قصده ونيته . كذا قاله جماعة من العلماء منهم ابن عقيل من أصحابنا ، وفي كتاب عبد الرزاق من رواية زيد بن الأخنس الخزاعي أنه سأل سعيد بن المسيب قال: وجدت لقطة أفأتصدق بها؟ قال لا يؤجر أنت ولا صاحبها . ولعل مراده إذا تصدق بها قبل تعريفها الواجب . إلى أن قال:
واعلم أن من العلماء من جعل تصرف الغاصب ونحوه في مال غيره
(1) مسند أحمد بن حنبل (1/387) .
(2) جامع العلوم والحكم , ص 87 ـ 88 .
موقوفا على إجازة مالكه ، فإن أجاز تصرفه فيه جاز . وقد حكى بعض أصحابنا رواية عن أحمد أنه من أخرج زكاته من مال مغصوب ثم أجازه المالك جاز وسقطت عنه الزكاة . وكذلك خرج ابن أبي الدنيا رواية عن أحمد أنه إذا أعتق عبد غيره عن نفسه ملتزما ضمانه في ماله ثم أجازه المالك جاز ونفذ عتقه . وهو خلاف نص أحمد . وحكي عن الحنفية أنه لو غصب شاة فذبحها لمتعته وقرانه ثم أجازه المالك أجزأت عنه (1) .