فهرس الكتاب

الصفحة 409 من 1226

(1) سنن أبو داود اللقطة (1709) ,سنن ابن ماجه الأحكام (2505) ,مسند أحمد بن حنبل (4/162) .

(2) سورة البقرة الآية 205

تجويز العقوبات المالية تارة بالأخذ وتارة بالإتلاف كما يقوله أحمد في متاع الغال ، وكما يقوله أحمد ومن يقوله من المالكية في أوعية الخمر ومحل الخمار . وغير ذلك . فإن العقوبة بإتلاف بعض الأموال أحيانا كالعقوبة بإتلاف بعض النفوس أحيانا . وهذا يجوز إذا كان فيه من التنكيل على الجريمة من المصلحة ما شرع له ذلك .

وأما حبسها دائما أبدا إلى غير غاية منتظرة بل مع العلم أنه لا يرجى معرفة صاحبها ولا القدرة على إيصالها إليه فهذا مثل إتلافها . فإن الإتلاف إنما حرم لتعطيلها من انتفاع الآدميين بها ، وهذا تعطيل أيضا . بل أهو أشد منه من وجهين .

(أحدهما) : أنه تعذيب للنفوس بإبقاء ما يحتاجون إليه من غير انتفاع به .

(الثاني) : أن العادة جارية بأن مثل هذه الأمور لا بد أن يستولي عليها أحد من الظلمة بعد هذا إذا لم ينفقها أهل العدل والحق فيكون حبسها إعانة للظلمة ، وتسليما في الحقيقة إلى الظلمة فيكون قد منعها أهل الحق ، وأعطاها أهل الباطل ، ولا فرق بين القصد وعدمه في هذا فإن من وضع إنسانا بمسبعة فقد قتله ، ومن ألقى اللحم بين السباع فقد أكله ، ومن حبس الأموال العظيمة لمن يستولي عليها من الظلمة فقد أعطاهموها ، فإذا كان إتلافها حراما وحبسها أشد من إتلافها تعين إنفاقها ، وليس لها مصرف معين فتصرف في جميع جهات البر والقرب التي يتقرب بها إلى الله؛ لأن الله خلق الخلق لعبادته وخلق لهم الأموال ليستعينوا بها على عبادته . فتصرف في سبيل الله والله أعلم (1) .

(1) فتاوى شيخ الإسلام (باختصار) ، جزء (28) ، من ص 592 إلى ص 597، والفتاوى الكبرى لابن تيمية الجزء الثاني، من ص 194 حتى ص 197، ولمزيد من الفائدة انظر الفتاوى جزء (28) ، من صفحة 598 حتى صفحة 599 .

وخلاصة ما سبق من كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:

أن الأموال التي يجهل أصحابها ومستحقوها إما لكونها قبضت ظلما إما بغصب ونحوه من أنواع الجنايات كالسرقة والنهب والغلول ، وإما لكونها قبضت بعقد فاسد من ربا أو ميسر ونحوهما . فمذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة ومالك وعامة السلف إعطاء هذه الأموال لأولى الناس بها . والشافعي يرى أنها تحفظ مطلقا ولا تنفق بحال حتى يظهر أصحابها كسائر الأموال الضائعة ، ويقول في العين التي عرفت لأحد رجلين يوقف الأمر حتى يصطلحا . ومذهب أحمد وأبي حنيفة فيما جهل مالكه أنه يصرف عن أصحابه في المصالح كالصدقة على الفقراء ونحو ذلك . وفي مال الميت الذي لا وارث له معلوم فماله يصرف في مصالح المسلمين . أقول: وما قيل عن الصدقة بهذه الأموال التي جهل أصحابها أو صرفها في مصالح المسلمين هو الأولى في نظري والله أعلم ؛ لأنها إما أن تحبس ، وإما أن تتلف وإما أن تنفق .

فأما إتلافها فإفساد لها { وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ } (1) وهو أيضا إضاعة لها وقد نهى عليه الصلاة والسلام عن إضاعة المال- اللهم إلا ما كان من العقوبة بإتلاف المال أحيانا لما فيه من التنكيل على الجريمة من المصلحة ما فرع له ذلك كما يفعل بأوعية الخمر ومحل الخمار ونحو ذلك . وكما يقوله الإمام أحمد رحمه الله تعالى في متاع الغال والله أعلم .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه- اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم - تحت عنوان ( ما تصنع البغي إذا تابت بما عندها من أجر البغاء ) ما نصه:

نعم البغي والمغني والنائحة ونحوهم إذا أعطوا أجورهم ثم تابوا هل يتصدقون بها . أو يجب أن يردوها إلى من أعطاهموها فيها قولان

(1) سورة البقرة الآية 205

أصحهما أنا لا نردها على الفساق الذين بذلوها في المنفعة المحرمة ، ولا يباح الأخذ بل يتصدق بها . وتصرف في مصالح المسلمين ، كما نص عليه أحمد في أجرة حمل الخمر .

ومن ظن أنها ترد على الباذل المستأجر: لأنها مقبوضة بعقد فاسد فيجب ردها عليه كالمقبوض بالربا أو نحوه من العقود الفاسدة ، فيقال له: المقبوض بالعقد الفاسد يجب فيه التراد من الجانبين فيرد كل منهما على الآخر ما قبضه منه . كما في تقابض الربا عند من يقول: المقبوض بالعقد الفاسد لا يملك كما هو المعروف من مذهب الشافعي وأحمد . فأما إذا تلف المقبوض عند القابض فإنه لا يستحق استرجاع عوضه مطلقا . وحينئذ فيقال: إن كان ظاهر القياس يوجب ردها ، بناءا على أنها مقبوضة بعقد فاسد ، فالزاني ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم ، واستوفوا العوض المحرم: والتحريم الذي فيه ليس لحقهم ، وإنما هو لحق لله تعالى ، وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض ، والأصول تقتضي: أنه إذا رد أحد العوضين يرد الآخر ، فإذا تعذر على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال .

وأيضا فإن هذا الذي استوفيت منفعته عليه ضرر في أحد منفعتيه وعوضهما جميعا منه ، بخلاف ما لو كان العوض خمرا أو ميتة فإن ذلك لا ضرر عليه في فواتها . فإنها لو كانت باقية أتلفناها عليه .

ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت لتوفرت عليه ، بحيث كان يتمكن من صرف تلك المنفعة في أمر آخر أعني من صرف القوة التي عمل بها . فيقال على هذا: فينبغي أن يقضوا بها إذا طالب بقبضها .

قيل: نحن لا نأمر بدفعها ولا بردها ، كعقود الكفار المحرمة ، فإنهم إذا أسلموا على القبض لم نحكم بالقبض . ولو أسلموا بعد القبض لم نحكم بالرد ، ولكن في حق المسلم تحرم هذه الأجرة عليه ، لأنه كان معتقدا لتحريمها بخلاف الكافر . وذلك لأنه إذا طلب الأجرة قلنا له: أنت فرطت ، حيث صرفت قوتك في عمل محرم ، فلا يقضى لك بأجرة . فإذا قبضها ثم قال الدافع: هذا المال اقضوا لي برده فإنما أقبضته إياه عوضا عن منفعة محرمة قلنا له: دفعته بمعاوضة رضيت بها فإذا طلبت استرجاع ما أخذه فرد إليه ما أخذته . إذا كان له في بقائه معه منفعة فهذا ومثله يتوجه فيما يقبض من ثمن الميتة والخمر .

وأيضا فمشتري الخمر إذا أقبض ثمنها وقبضها وشراها ثم طلب أن يعاد إليه الثمن كان الأوجه أن يرد إليه الثمن ولا يباح للبائع ولا سيما ونحن نعاقب الخمار بياع الخمر بأن نحرق الحانوت التي تباع فيها . نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حرق حانوتا يباع فيها الخمر ، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه حرق قرية يباع فيها الخمر ، وهي آثار معروفة ، وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع ؛ وذلك لأن العقوبات المالية عندنا باقية غير منسوخة (1) .

وسئل أيضا رحمه الله تعالى عن امرأة كانت مغنية واكتسبت في جهلها مالا كثيرا وقد تابت وحجت إلى بيت الله تعالى وهي محافظة على طاعة الله تعالى فهل المال الذي اكتسبته من حلي وغيره إذا أكلت وتصدقت منه تؤجر عليه؟

فأجاب: المال المكسوب إن كانت عين أو منفعة مباحة في نفسها ، وإنما حرمت بالقصد مثل من يبيع عنبا لمن يتخذه خمرا أو من يستأجر لعصر الخمر أو حملها فهذا يفعله بالعوض لكن لا يطيب له أكله ، وأما إن كانت العين أو المنفعة محرمة كمهر البغي وثمن الخمر . فهنا لا يقضى له به قبل القبض . ولو أعطاه إياه لم يحكم برده . فإن هذا معونة لهم على المعاصي: إذا جمع لهم بين العوض والمعوض ولا يحل هذا المال للبغي

(1) انظر اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم, صفحة 247, 248 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت