فهرس الكتاب

الصفحة 374 من 1226

وقد لا يشترط الربا في عقد القرض ، ولكن المستقرض يعد بالزيادة فوق رأس المال أو يؤديها من جانبه ، بقصد حمل الدائن على تأخير مطالبته ، ثم هو يضاعفها كلما انتهى الأمد الذي قدمها عنه ، فتكون تلك الزيادة من ربا الدين . ولكن لا يعتبر من الربا ما يؤديه المدين مختارا عند قضاء الدين من زيادة عليه ، بعد إذ انتفت كل مظنة من جانبه في ابتغاء التأجيل ، وكذلك يخرج من الربا كل ما اعتاده المدين من إهداء أو صلة للمقرض من قبل أخذ القرض ، وإن قدمها خلال تأجيله لانقطاع صلتها به .

وإذا وثق القرض برهن ، فلا يجوز أن يشترط للمرتهن الانتفاع بالرهن ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: « لا يغلق الرهن ، ولصاحبه غنمه وعليه غرمه » (1) وإن انتفع الدائن بشيء من الرهن ، صار قرضا جر منفعة وكان ، فيما روي من السنة ، من الربا . ويختلف القرض في ذلك عن البيع ، فيجوز للبائع المرتهن أن يشترط لنفسه الانتفاع بالرهن ، ويعتبر ثمن السلعة الحقيقي هو ما سمي من الثمن بالعقد مضافا إليه منافع المال المرهون مدة معلومة (2) .

والأصل في الشريعة الإسلامية أن الأموال لا تسعر على الناس في مبادلاتهم ، وأن الغبن لا يؤثر في صحة المعاوضات ، إذا عقدها كاملو الأهلية لأنفسهم بإرادة سلمت من التغرير ، وإنما يعتد الغبن إذا وقع في بيع أو

(1) سنن ابن ماجه الأحكام (2441) ,موطأ مالك الأقضية (1437) .

(2) وقال بذلك ابن خويز منداد عند المالكية. انظر القرطبي ج3 ص413.

إيجار أموال من في ولاية غيرهم أو بيت المال أو الوقف ، أو إذا تم العقد في حال يكون المتعاقد في غير بينة من حقيقة الأسعار بالأسواق كما في حال تلقي الركبان ، ويشترط أن يكون الغبن فاحشا ، غير يسير مما يتغابن المتعاملون بمثله ، ويجعل هذا الغبن حقا لمن أصابه ، في طلب تكملة الثمن إلى الحد الذي يقتنيه ، ولا يذر مثل ذلك الغبن العقد باطلا أو محظورا ، إذا لم تطلب إزالته (1) . .

فبيع النسيئة يؤثر الغبن فيه ، كما لا يؤثر في السلم ، ولا يكون ثم أصل شرعي عام يقيد تقدير مقابل الأجل في البيوع أو يحظر المغالاة فيه . ونجد في ذلك الأصل الذي يذر تقدير الأموال والمنافع إلى ما يرتضيه ذووها ، ولا يحظر التغابن فيها ، ما قد يبين منه أن النهي في القرآن الكريم عن أكل الربا أضعافا مضاعفة ، لا وجه لصرفه إلى الربا الفاحش ، ليقتصر التحريم في النص على الربا المركب ، الذي تؤخذ فيه فائدة على ما تجمد من الفوائد (2) .

وما كان العرب حين جاءهم الإسلام يعرفون التفرقة في الحكم بين يسير الربا وفاحشه ، ولا بين بسيط الربح ومركبه ، كما لم يعلق الإسلام مشروعية البيع على اعتدال الثمن ، ولم يحظره لبخس بالثمن أو غلو فيه . وإنما الأقرب أن ينصرف النهي إلى طلب الكف عن الاستمرار في الاستثمار الربوي ، فإن الربا لا يتضاعف بتضاعف الأجل ، ولا يبلغ الربا الأضعاف المضاعفة إلا بمكث المال في حمأة الاستغلال المحظور ، فكان الخطاب في سورة آل عمران ، لينتهي كل مكلف عن الإخلاد إلى المداينات الربوية ، ثم بينت آيات سورة البقرة ، بعد النص على تحريم الربا ، ما يتبع لتصفية الديون الربوية القائمة عند التنزيل ، بأداء رءوس أموالها وحدها بغير أية زيادة فوقها ، فكانت حرمة الربا مطلقة تحظر يسيره كما تحظر فاحشه .

(1) بداية المجتهد ، لابن رشد ج2 ص146، ومعجم الفقه الحنبلي، وزارة الأوقاف بالكويت، ج1ص323 رقم 39 الخيار للغبن

(2) مصادر الحق، للدكتور السنهوري ج3 ص368و269.

الخاصية الثالثة

الربا محظور على الدائن والمدين معا

الربا محظور على الدائن أخذه وعلى المدين إيتاؤه ، كما يحظر توثيقه فيأثم شاهدا عقده وكاتبه جميعا بنص الحديث الشريف .

وقد بينت السنة أن الربا أفحش إثما من الزنى ، ويبدو الربا في فقه الإسلام ، كالزنى ، عملا مشتركا ، يعصي به اللذان يعقدانه عن التكليف في إقراض المال لمحتاجه قرضا حسنا أو استثماره بما شرع الله تعالى من التجارة بالبيع أو المضاربة .

وقد رأينا السنة في ربا الفضل ، تقضي بأن إثم مخالفته يقع على طرفي البيع معا ، ولا يقتصر على من أخذ الزيادة في المقدار ، بل إن من أعطاها قد أربى مثله . وكذلك في ربا الدين ، يأثم الدائن ، ولو قل مقداره عما يربحه رأس المال بالاستغلال المشروع في يد الدائن ، ويأثم المدين ، ولو زاد ما يؤديه من الربا على ما يكسب من استثمار القرض .

وإذا كان القرآن يأمر الكاتب ألا يأبى أن يكتب الديون المؤجلة ، كما أمر الشهداء ألا يأبوا الشهادة حين يدعون إليها ، فإن الكاتب والشهود لا يتحلل أحدهم من هذا الأمر فحسب ، إذا وجد الدين مقترنا بالربا ، بل يحرم على كل واحد منهم بمجرد علمه بالربا ، أن يكتب العقد أو يشهد عليه . وإذ يقوم الرهن مقام الكتابة في توثيق الدين ، فإن من يرهن ماله ضمانا لدين ربا استدانه غيره ، وكذلك من يكفل هذا الدين ، يكون كلاهما قد شارك في الإثم وأعان عليه ، ويناله نصيبه من جزاء الربا ، آثاما وعقوبة كالكاتب والشهيد .

وجزاء الربا في الحياة الآخرة ، هو بنص الكتاب ، النار التي أعدت للكافرين ، وإذ لم يرد نص شرعي على عقوبة مقدرة للربا ، خلافا للزنى الذي فرض فيه الحد ، وللقتل الذي كتب فيه القصاص ، فإن جريمة الربا تجزى بعقوبة التعزير ، حيث يفوض القاضي في اختيار نوع العقوبة ومقدارها المناسبين لكل جان ردعا ونكالا .

وقد صرح القرآن بحرب من امتنع من المتعاملين بالربا عن أكله ، وآذنهم بالقتال حتى يذروه ، ولا يجوز للحاكم أن يقر أحدا على أكل الربا ولا إيتائه ، ولو كان ذميا من اليهود الذين يدينون بجواز أخذ الربا ممن سواهم أو من النصارى المصلحين الذين يقرون الربا في غير ديون الفقراء (1) . .

وقد نص فيما صالح عليه النبي صلى الله عليه وسلم نصارى نجران من الجزية ، على ألا يأكلوا الربا ، كما روي أن « رسول الله عليه الصلاة والسلام كتب إلى مجوس هجر: إما أن تذروا الربا أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله » .

ولا يخل بالتزام الحاكم هذا المنع ، ما له من حق العفو عن بعض من اقترف شيئا من المعاملات الربوية ، وفقا لما يقدره من ظروف التعزير لحق الله تعالى ، الذي عهدت الأمة إليه النظر في إقامته ، بما يكف شرور الربا وأضراره بمصالحها المختلفة ، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .

وحرمة الربا تجعل ما يشترط منه غير مستحق شرعا ، فلا يجوز للدائن أن يطالب بالربا ولا أن يأخذ ما يقدمه المدين منه ، وإن أصاب شيئا وجب عليه رده في كل حال ، ولو كان يتيما أو قاصرا ، بلا خلاف عند علماء المسلمين ، كما لا يجوز للمدين أن يلتزم الربا ، ويحرم عليه أداؤه ، وإن أداه وجب استرداده أو خصمه من رأس المال ، إن كان الدين لما يتم وفاؤه . ولا يقتصر وجوب الرد على الفتوى ديانة ، بل يحكم به القضاء وينفذ الحكم في مال الدائن ، وإن مات الدائن استوفي ما أخذه من الربا من تركته مع سائر ديونه ، قبل أن يصيب الورثة شيئا منها (2)

(1) معجم كارنبرج، المرجع السابق ص547

(2) الفتاوي المهدية ،ج5 317 و318.

الخاصية الرابعة

للربا حكمته المتميزة على ظلم المدين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت