فهرس الكتاب

الصفحة 375 من 1226

لا تنحصر حكمة تحريم الربا في درء الظلم عن المدين من الفقراء ، ولا نجد في نصوص القرآن والسنة ما يشير إلى أن الربا إنما يؤخذ من المقترض الفقير استغلالا لحاجته ، وإذا كانت آيات الربا قد جاءت بعد آيات الصدقات ، فقد تلتها مباشرة آيات الدين المؤجل الذي يقع في التجارة نسيئة وسلما ، كما يقع في القرض ، وقد نصت آيات الربا ذاتها في رد رءوس الأموال على مدين معسر فرضت نظرته إلى ميسرة ، فافترضت مدينا آخر موسرا يجب عليه أداء رأس المال ناجزا ، وفي قوله تعالى لأكل الربا:" { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ } (1) يحتمل أن يكون المعنى لا تظلمون أنفسكم بمعصية أكل الربا ، ولا تظلمون بنقص من رءوس أموالكم . وقد جرى أسلوب الذكر الحكيم في آيات كثيرة على اعتبار عصيان التكليف ظلما لنفس من عصى ، ومن ذلك قوله جل ثناؤه: { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } (2) ( سورة البقرة ، الآية 54 ) وقوله عز شأنه: { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } (3) ( سورة الطلاق ، الآية 1 ) ، ولا يتعين ما ذهب إليه المفسرون والفقهاء الذين قالوا: إن المرابين يظلمون المدين بأخذ الربا منه ، وجعلوا الحكمة في تحريم الربا هي ما فيه من ظلم المدين (4) ."

إذ لا يتفق ذلك وحقيقة الربا في الإسلام باعتبار مداينته معصية مشتركة بين طرفيها من دائن ومدين لا يرجع حظرها إلى منع استغلال المدين ، لأن لتعرض منفعته التي يصيبها المدين ، وإنما فرض الشرع التصدق بها عليه لحاجته . وإذا كان المستقرض محتاجا لا يبتغي استثمارا ، وإنما يأخذ القرض لنفقته ، فإن عليه أن يلجأ إلى الطرق المشروعة لسد خلته ، بالرجوع على من تلزمه نفقته من الأقربين أو من بيت المال أو يتحرى صالح الأغنياء ، ليصيب قرضا حسنا ، فإن أعوزه كل أولئك وسعه باب التجارة الآجلة ، يشتري حاجته بالنسيئة أو يبيع ما ينتظر رزقه سلما ، وقد صح في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى شعيرا لطعام أهله بالنسيئة من يهودي . ارتهنه درعه ضمانا للثمن » (5) . وظاهر من محل البيع ، وهو أبسط غذاء رئيسي ، عظم الحاجة إلى شرائه ، وقصد النبي صلى الله عليه وسلم في الاستدانة حتى لضرورات المعيشة . وفي ذلك ما يغني ذا الحاجة عن الاستدانة بالربا التي حظر الله تعالى ، فإن جاوز إليها كان ظالما لنفسه ، مثله كمثل من ادان منه ، وليس مظلوما يتقاضاه الدائن الربا بغير نفع يعود عليه من القرض ، فإن الشريعة لا تجاوز الواقع من الأمر ، ولا تهدر منافع النقود حين تقترض ولا يعتبر المال في يد المقترض عقيما . فالقرض في الإسلام من عقود الإرفاق ، بما يذر للمقترض من منفعة القرض تبرعا ، ويظل المال طيلة قرضه تستحق عليه الزكاة ، واستحقاقها بفرض نمائه . ويتضح الأمر إن

(1) سورة البقرة الآية 279

(2) سورة البقرة الآية 54

(3) سورة الطلاق الآية 1

(4) إعلام الموقعين، لابن القيم ،ج2 ص99و100.

(5) صحيح البخاري البيوع (1990) ,صحيح مسلم المساقاة (1603) ,سنن النسائي البيوع (4650) ,سنن ابن ماجه الأحكام (2436) ,مسند أحمد بن حنبل (6/42) .

كان المدين غير فقير ، وإنما يبتغي فضلا من استثمار القرض ، فيما يحسن من التجارة أو نحوها من النشاط الاقتصادي ، إذ لا يبدو في خشية استغلال الدائن له ، ما يصلح حكمة لتحريم الربا ، فكما تحتمل الخسارة في الاستثمار ، حتى لا يجد المدين ما يؤدي منه الربا ، يحتمل أن يكسب أضعاف الربا ، حتى يتحيف ما كان يستحقه رب المال لو كان ما بينهما عقد مضاربة بدلا من المداينة الربوية ، والإسلام لا يجعل احتمال الخسارة ، بل ولا تحقق الغبن أو الاستغلال- موجبا لتحريم المعاوضات ، إذ جعل للأفراد سلطانا في تحديد الائتمان ينفذ مع الغبن إن كان يسيرا ، ولا يذر الغبن الفاحش إلا خيارا للمغبون لا يحظر معه بقاء الغبن . كما لا يتفق وحظر يمين التصرف الربوي القول بأن الدائن ، إذ يأكل الربا إثمه أعظم من إثم مؤكله ، باعتبار تحريم أكل الربا لذاته ، أما المقترض فيرتكب محرما لغيره ، وإذ لا يباح المحرم لذاته إلا للضرورة ، ولا توجد ضرورة مطلقا تبيح أكل الربا ، أما المحرم لغيره فيباح للحاجة ، فمن كان في حاجة ماسة للاقتراض بالفائدة ، لأنه لا يجد من يقرضه إلا بالفائدة ، قيل: إن الله تعالى يرفع عنه الإثم ، ويبوء بالإثمين من لم يقرضه إلا بفائدة (1) . وكأن هذا القول يعتبر أصل الحظر في الربا متعلقا بأكله من المقترضين ، وبنحو ذلك قريبا مما عند اليهود ، ولكن ربا الدين في الإسلام يشبه الزنى ، فيستوي في حظره عمل كل من طرفيه ، إذ لا تبرم عقدته إلا بالتقاء هذين العملين ، إيتاء المدين يقابله أخذ الدائن ، ولا ترخص لدائن أو مدين في أخذ الربا أو إيتائه إلا في حال الضرورة (2) .

فلا يباح لمكلف أن يقترض بالربا لمجرد الحاجة الماسة التي لا تبلغ حد الضرورة ، وتتصور الضرورة في أكل الربا إن أطبقت أمة على أكله وأوصدت على المكلف وجوه الاستثمار المباحة لرأس ماله .

وتكون ثم حكم شتى لحظر الربا ، لا تقتصر على من يأكله ، بل تتعلق أيضا بمن يعطيه ، وبمن يعين عليه ، وبالأمة جميعا من ورائهم ، في مجالات النشاط الاقتصادي والسلام الاجتماعي والسياسة المالية للدولة .

فكما يقصد تحريم الربا إلى كف أشحة الأغنياء عن أن يرهقوا الفقراء والمعسرين الذين تضطرهم حالهم إلى تأجيل قروضهم أو ديونهم ، بعدم التصدق عليهم بفيئها ويشعرهم بكل تفريط في رعاية أحكام الزكاة ، التي تكفل للفقير والمسكين ما يغنيه عن الاستقراض ، وتتيح للمعسر الغارم أن يأخذ ما يفي بدينه ولا يضطر إلى طلب تأجيله- كذلك يتوجه التحريم إلى مترفي الأغنياء ، ليتجافوا عن الدعة ، وينأوا عن الفراغ ، وإلى المدخرين كافة ، وإن قل ما يدخرون ، ليقدم كل منهم على تدبير استثمار ماله والنظر فيما يصلحه وفيما ينبغي اتقاؤه ، لتجنب الخسارة فيه وزيادة الربح منه ، وتنطلق تيارات النشاط وحوافز الكسب التي فطر الناس عليها في جنبات الأمة كلها ، ويستوي للفرد من كل ذلك ، رشد مالي يظهره على طرائق الاستثمار ويكسبه خبرة تيسر له اختيار أحسن السبل للتنمية ، وتمنعه من أن يتحيفه مقترض بربا ، يقل كثيرا عما يفيء به المال من واقع الاستثمار ، أو يذهب بالمال ليستثمر في بلد أجنبي ، تقتضى مصلحة رب المال وأمته من ورائه ، أن يستثمر المال في غير هذا البلد ، وفقا لما تجري عليه تجارة المصارف الربضوية ، التي يقوم أصل كسبها على انتجاع مواطن الزيادة في الربا الذي تأخذه على ما تؤتيه مقرضيها من المودعين .

ويستشعر الغني كذلك مقتضيات التكافل مع من يعوزهم المال ويقدر آثار معاونتهم حق قدرها ، في ترضيتهم وتوقي عواقب سخطهم ، وهم الأكثرون ، والحفاظ على تدفق نشاطهم

(1) الأستاذ الشيخ أبو زهرة، في مقدمة زكي الدين بدوي، ص ر وانظر رد هذا القول في ص 133 ج2 وتجد في الرد خلطا بين ربا الفضل وربا القرض

(2) انظر قرارات المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية، طبع الأزهر الشريف، 1385 \ 1965

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت