فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 1226

وكما عني الإسلام بتنظيم التجارة الحاضرة فيما رأينا من أنواع الربا في البيوع ، كانت عنايته أكبر بالائتمان في التجارة الآجلة وسائر الديون غير التجارية . وجمهور المفسرين على أن الدين المؤجل الذي فصلت آيات البقرة أحكام توثيقه ، يشمل السلم وبيع النسيئة والقرض جميعا ، وردوا قول من ذهب إلى أن القرض لا يدخل في ذلك الدين ، لأن القرض لا يجوز فيه الأجل الذي يؤجل إليه الدين ، وكانت حجتهم أن القرض يصح تأجيله باتفاق الفقهاء ، وإنما اختلافهم في لزوم هذا التأجيل ، فقال الإمام مالك بلزوم الأجل المتفق عليه في القرض ، ورأى سائر الأئمة أن المقرض متبرع لا يجوز أن يجبر على الامتناع عن المطالبة بالقرض قبل الأجل (2) .

وقد كانت مصادر ربا الجاهلية ، إما قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة بدلا من الأجل ، وإما بيعا بالنسيئة حل ميعاد أداء ثمنه وليس عند المشتري ما يفي به ، فيزيد مقداره ليؤخر البائع المطالبة به ، أو سلما لا يجد المسلم إليه الشيء الذي باعه عند حلول أجله ، فيؤخره المسلم إلى أجل جديد بزيادة على الشيء المبيع ، وقد حظرت الزيادة على الدين في كل تلك الصور من الائتمان غير التجاري ، وفرق الإسلام بين هذا الائتمان القائم على الإرفاق والائتمان التجاري في البيوع الذي أبيحت المعاوضة على الأجل فيه ، التزاما لحال المال الذي يخرجه التاجر إلى الائتمان من بين ما يدير به تجارته الحاضرة ويقف ما كان يفيء له من كسب دوري إبان تأجيله .

وكذلك حال الذي ائتمن من الاتجار فيما دفع إليه وما يفيد من كسب يقدر أن يؤدي الزيادة في الثمن المؤجل منه . وبجانب هذا الائتمان في السلع التي تقوم التجارة على تداولها ، ويتحدد بكل بيع يرد عليها مخاطر عقده مستقلا عما سبقه وعما يلحقه من البيوع ، أقر الإسلام الائتمان الرأسمالي بعقد المضاربة أو القراض ، فيأخذ التجار المضاربون رءوس الأموال من أصحابها يديرون بها التجارة ، وتقسم أرباحها بين التاجر عن عمله ، والممول عن رأس ماله ، فإن لم تصب التجارة ربحا ، أو منيت بخسر ، ضاع جهد التاجر ، وفات رأس المال الربح أو نقص ما خسره ، تبعا لحقيقة ما أسفر

(1) ويحظر على المُوسِر تأخير الوفاء بما عليه، وفي السُّنة المُطهَّرة أن مَطْل الغَنِي ظُلْم، يجعل لدائنه أن يطلب حبسه، حتى يُؤدِّي الدَّيْن المُستحِقّ عليه، وذلك وجه آخَر يُظْهر عِناية الإسلام بالائتمان وحِمايته

(2) زكي الدين بدوي، ص 37 هـ 1، ومعجم الفقه الحنبلي، ج2 ص 771 رقم 14.

عنه النشاط المعقود عليه ، وكما يتضامن رب المال والعامل في تحمل خطر الخسارة ، يفيد رأس المال من كل زيادة تتحقق في ربح المضاربة خلال الأجل الذي تنتهي عنده ، وبذلك جعل للأجل في التجارة عوضه الذي يتحدد ابتداء في البيوع ، أو الذي يتحقق ويتحدد انتهاء في المضاربة .

ويتميز القرض من البيع ، خلافا لما يذهب إليه بعض الفقهاء والمستشرقين الذين يجعلون القرض في أصله من المعاوضات ويدخلون رباه في ربا الفضل بالبيوع خطأ (1) ، ذلك أن القرض في شريعة الإسلام من التبرعات يتصدق فيه المقرض بمنفعة المال على سبيل العارية ، وإذا كان المقرض لا يسترد ماله ذاته بل يسترد مثله ، فلأن هذا المال مما يهلك بالانتفاع به ، انفاقا كالنقود أو استهلاكا كالطعام ، وليس أخذ هذا المثل المؤجل هو مقصود المقرض من العقد ، ليكون كالبائع الذي يقصد أن يأخذ من المبتاع عوضا غير الذي يبيعه منه ، ولو كان القرض من البيع لوقع في نطاق ربا النسيئة الذي يحظر مقايضة العين بمثلها مؤجلا ، ولذلك جعل الفقهاء رد بدل العين في القرض بمثابة رد العين ذاتها خلاف سائر الديون .

ولكن مع اتفاق الفقهاء على حل المعاوضة عن الأجل في البيوع ، وحرمتها في القروض وسائر الديون ، اختلفوا في الديون المؤجلة حين يعجل أداؤها ، فمنع فريق من الأئمة ، منهم أبو حنيفة ومالك ، أن ينقص شيء من الدين ، إذ رأوا في مقابلة هذا النقص بما بقي من أجل الدين ما يشبه الربا الذي يجعل الزيادة فوق الدين مقابلة لأجله ، وأخذ فريق بما « روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمر بجلاء يهود بني النضير ، وسألوه عن ديون لهم مؤجلة ، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام:"حطوا وتعجلوا"» فأجازوا أن ينقص من الدين المؤجل إذا عجل وفاؤه ، ما يقابل الذي بقي من أجله . وانتهى متأخرو الحنفية إلى الفتوى بذلك في المرابحة (2) .

وقد بني الاختلاف على أساس إحدى خصائص الربا التالية ، وهي كونه مقابلا لزمان بقاء الدين في الذمة ، ولكن لو نظر الأمر من وجه مشروعية المعاوضة عن الأجل ، فإن الديون التي تحل الزيادة فيها لتأجيلها ، كثمن النسيئة ، لا يكون في الحط منها عند تعجيلها شيء من الربا ، إذ يفترض اشتمال الثمن على عوض بمقدار الأجل كاملا ، فإذا أدى الثمن ، ولم ينقض إلا نصف الأجل ، كان ما يقابل نصفه الآخر ولا سبب يستحق عنه . ولا يكون ربا فيما نقص من ديون بني النضير ، إن كانت من المرابحة أو السلم ، وقد كانوا يستحلون الزيادة فيها على الأميين وإن حرموا أخذها من اليهود ، وقد أخرجها الإسلام من ربا الديون . أما إن كان الدين المؤجل من قرض ، فلا يبدو وجه إنقاصه إذا عجل أداؤه ، حتى عند من يرى لزوم الأجل فيه ، لأن المقترض لا يرد شيئا فوق ما أخذ من المقرض في كل حين ، وكما يحظر العوض من المدين عن منفعة الدين المؤجل ، لا يحق له أن يقتضي المقرض عوضا عما بقي من الأجل الذي ارتضاه هذا الدائن تبرعا بالقرض للأجل كله . ويستوي القرض في ذلك كل دين تأجل أداؤه بأمر القضاء للإعسار ، وتبقى الديون المؤجلة بحكم الشرع ، كديات القتل الخطأ ، يتنازعها الرأيان في جواز الحط عند تعجيلها أخذا بعموم الحديث الشريف ، أو منع نقصها لما فيه من شبه الربا .

(2) بداية المجتهد لابن رشد ج2 ص118 وحاشية ابن عابدين ج5 ص526،525.

الخاصية الثانية

الربا مقابل الأجل

يؤدى الربا عوضا عن تأجيل المطالبة بالقرض أو الدين ، ويؤخذ في تحديده بمقدار الأجل ، فيتضاعف الربا بتضاعف الآجال المتوالية .

ويتميز الربا من الزيادة في البيوع الآجلة ، فهي وإن حددت على أساس مقدار الآجل ، فثم أسس أخرى تدخل في تقدير المتبايعين ، منها معدل الربح في السلعة ، وما يتوقع من رواجها خلال الأجل ، وهي اعتبارات تجارية لا يتمثلها المتعاملون بالربا ، وتتحدد هذه الزيادة جملة واحدة لتندمج في الثمن ، بحيث لا تتميز من أصله ، ولا يكون في العقد إلا الثمن لا يبدو من عناصر تقديره مقابل التأجيل ، وفي ذلك تورع من صورة الربا ، ولا يحسب هذا المقابل في البيوع إلا مرة واحدة عند إبرامها ، ولا تتضاعف الزيادة في النسيئة ولا في السلم ، إن أعسر المدين ، ويؤجل الثمن أو المبيع إلى ميسرته ، في إرفاق يشبه القرض . وهذا فرق هام بين زيادة البيوع المؤجلة في الإسلام والربا الذي يتضاعف أضعافا لا حد لها ، يقيم حاجزا ظاهرا بين البيع والربا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت