فهرس الكتاب

الصفحة 372 من 1226

وهذا القول أشبه بما قد يحتج به اليهود حين يخاطبون بحكم القرآن وقد أحل بعض ما حرم عليهم من المرابحة ولم يحل الربا في الدين ، وإن كان جمهور المفسرين على أن القائلين بالشبهة يعتقدون حل بيع النسيئة ويقيسون عليه ربا الدين ، ويقولون: كما أنه يجوز أن يبيع الثوب الذي يساوي عشرة دراهم في الحال ، بأحد عشر إلى شهر ، فكذلك إذا أقرض العشرة دراهم بأحد عشر إلى شهر ، يجب أن يجوز (6) .

وما دامت الزيادة في الأثمان المؤجلة الأصل فيها الإباحة ، فلا يكون القصد من تحريم التأجيل في الصرف والمقايضة هو سد الذريعة إلى ربا الدين ، الذي يحظر الاعتياض عن التأجيل (7) .

(1) سورة البقرة الآية 282

(2) سورة البقرة الآية 283

(3) ويسميها متأخِّرو الحنفية المرابحة، باعتبارها بيعا للعين بربح يقابل الأجل، انظر حاشية ابن عابدين ج4 ص308، ودائرة المعارف الإسلامية، ج9 ص 218.

(4) سورة البقرة الآية 275

(5) تفسير ابن كثير،ج1 ص327

(6) مفاتيح الغيب، للفخر الرازي ج2 ص354 وسائر المفسرين في زكي بدوي ص61 هـ1

(7) قارن إعلام الموقعين، لابن القيم، ج1 ص200-204 وزكي بدوي، ص 130-134

ج- وفيما حرمته السنة من بيع الكالئ بالكالئ ، ما يبين منه أن حظر بيع الدين المؤجل بمؤجل مثله ، وإن كان الدينان متماثلين نوعا ومقدارا وأجلا ، كصرف ذهب بذهب مؤجلين إلى سنة ومتساويين وزنا وقيمة ، مما لا يذر زيادة من فرق بينهما في القيمة أو الحلول تصلح لربط هذا الربا بربا الدين .

د- وينبغي لكل أولئك أن يعدل عن محاولة رد أنواع الربا المختلفة إلى أصل واحد يجمعها ، وأن يبحث كل نوع من الربا بأحكامه ومقاصده مستقلا عن غيره من الربوات حتى لا تبغي دراسة بعضها على بعض ، ويعود ربا النسيئة بحقيقته الشرعية إلى موضعه الصحيح بعد إذ اختفى من أقسام الربا عند بعض المفسرين والفقهاء ، ومن أخذ عنهم من المستشرقين في معاجمهم ، (1) إذ أقحموا ربا الدين على تقسيم الفقه الإسلامي لربوي البيوع اللذين حظرتهما أحاديث الفضل والنسيئة ، وجاوزوا المصطلح الشرعي فجعلوا لربا الدين اسم ربا النسيئة ، فصرفوا لفظ الربا إلى معنى الزيادة بدلا من معنى الحرمة المقصودة فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانتفت المقابلة في التقسيم ، إذ خلطوا ربا الدين بربا الفضل ، وقد بينا اختلافهما كما أخطئوا الفرق بين ربا النسيئة الذي يحرم التأجيل في عقود محدودة ، وربا الدين الذي لا يعرض بتحريم لتأجيل الديون ، وإنما يقتصر التحريم فيه على أخذ عوض عن الأجل زيادة على رأس مال الدين .

هـ - والذي يبين من أحكام ربا النسيئة أن الإسلام إذ أباح ربح التجارة الآجلة ، قد حرص على ألا تجاوز ما تقتضيه مصالح الأفراد والأمة جميعا منها ، فحظر جميع البيوع التي يتأجل فيها البدلان معا ، إذ لا تظهر مصلحة قائمة لأحد من المبتاعين فيها ، وهي ليست من صنيع التجار العاملين بالأسواق عادة ، ولا تحقق الخدمات التي تبتغى من النشاط التجاري ، بل هي كثيرا ما تضر بانتظامه ، وذلك في حظر بيع الدين بالدين ، وفي ربا النسيئة بمعناه الدقيق يحظر الصرف أو المقايضة إذا كان أحد البدلين غائبا أو مؤجلا تسليمه ، فمنع من ليس بيده ذهب ولا فضة أن يصيب من طريق الصرف نقدا حاضرا ، وإذا كان النقدان هما رءوس أموال التجارة ، فإن ربا النسيئة لا يذر في حلبتها إلا المتمول من التجار ، أو ذا الثقة ، الذي يتيسر له أن يجد من يمده بالمال ، مضاربة تبتغي المشاركة فيما يفيء من التجارة ، وإما قرضا حسنا يضمن المقترض رده ، كما أن في حظر بيع المصوغات من الذهب والفضة نسيئة ، ما يحد من اكتناز الأفراد للمعدنين الثمينين ، وإبعادهما عن مجالات الاستثمار التي تتحقق من خلالها التنمية الاقتصادية للأمة (2) . وكذلك في مقايضة مواد الطعام ونحوها بعضها ببعض ، حيث يحظر ربا النسيئة تأجيل بدل منها ، يقتضي المتبايعين أن يجريا التصرف من طريق بيع النسيئة أو ما يشرع من السلم ، فينأى بتلك المعاملات عن المقايضة ببدائيتها التي تتعقد مع الأجل ، ويحد من بقاء تلك المواد دولة بين منتجيها ، ليطلقها في مجالات التداول على اتساعها بالبيوع الآجلة بالنقود التي يتحقق بها الانضباط ويتحدد فيها مقابل التأجيل ، حتى إذا طرأ ما يقتضي التعجيل تيسر لمن يحط من المقابل حساب ما يخصم منه . ويكون من حكمة ربا النسيئة ، دعم التنمية الاقتصادية وحفظ مقومات التجارة وتقويم سبل الائتمان فيها ، بإغلاق أبواب المعاملات الآجلة التي من شأنها الإخلال بتحقيق

(1) معجم هيوز ، المرجع السابق ص544 IN ARABIC ENGISH AXICON BY E. W. ANE 1968 PART 3.P. 1023

(2) التنمية الاقتصادية، للدكتور محمد زكي شافعي، ص51.

ما تتطلبه الجماعة من استقرار النشاط التجاري وازدهاره . ويتمحض تحريم النسيئة حقا لله تعالى ، يلتزم السلطان إنفاذه ، ولا يعتد بشيء من إرادة الأفراد في شأنه ، وما ينبغي أن تقر تلك الإرادة على ابتغاء ما يتهدد مصالح الأمة ، أو يحيف عليها . وتختلف الحكمة من هذا الربا عن الحكمة في تحريم ربا الدين ، الذي يتميز بوقوعه في مجال الائتمان المشروع ويتعلق بتقويمه في القروض والتأجيل للإعسار ، متكاملا مع تنظيم النسيئة المباحة في البيوع .

خصائص ربا الدين في الإسلام

ويتبين مما قدمناه أن الربا الذي يعرفه اليهود لا يشبه من أنواع الربا في الإسلام إلا ربا الدين ، ولكن هذا التشابه من بعض الوجوه دون بعضها الآخر ، ولا يبلغ الشبه بين الربوين حد التماثل ، بل تذر أوجه الاختلاف حقيقة الربا اليهودي جد متميزة عن ربا الدين كما اكتملت أحكامه في شريعة الإسلام ، التي نعرض على هديها خصائص هذا الربا ، كالذي قدمناه في بحث ربا اليهود ، لتظهر الفروق واضحة بين الشريعتين ، وينجلي الوضع الصحيح لمشكلة الربا في البلاد الإسلامية وأوجه علاجها الميسورة التي تأتي على ما يتعلل به للتعامل بالربا في إطار أحكام اليهود المخالفة عن أحكام الإسلام .

وخصائص هذا الربا هي:

1 -الربا في الدين وحده ولا ينطبق على البيع .

2 -الربا مقابل الأجل .

3 -الربا محظور على الدائن والمدين معا .

4 -للربا حكمته المتميزة عن ظلم المدين .

5 -المساواة بين المسلم وغير المسلم في الربا .

الخاصية الأولى

الربا في الدين وحده ولا ينطبق على البيع

أحل الله تعالى البيع بزيادة في الثمن إذ يؤجل ، أو ينقص فيه إذ يعجل ويؤجل المبيع ، وذلك عوضا عن الأجل في بيع النسيئة ، والسلم وعقد الاستصناع ، وحرم الربا في القرض ، إذ يؤجل تبرعا واختيارا ، وفي تأجيل سائر الديون التي يثبت إعسار المدين بها حين وجب عليه أداؤها ، فينظره القاضي إلى أن يوسر (1) ، توثيقا لعرى التكافل الاجتماعي بين الأغنياء والفقراء من الناس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت