فهرس الكتاب

الصفحة 371 من 1226

ج- التفاضل المحظور هو زيادة في مقدار أحد البدلين في تلك البيوع الخاصة ، وليس زيادة في قيمة أي من البدلين؛ ويبين ذلك من حديث التمر الذي جعل فيه النبي صلى الله عليه وسلم من ربا الفضل مقايضة كيل من تمر جيد من الجنيب بكيلين من الجمع وهو تمر رديء ، وإن كان سعر الجنيب في الأسواق يساوي مثلي سعر التمر مما لا يذر زيادة في قيمة أي من البدلين ، كالتي يقوم بها الربا في الدين ، وحيث يوجد فرق يعتد به بين قيمة البدلين ، فان السبيل لتلافي الغبن في مبادلتهما ، يكون ، كما أشارت به السنة في حديث التمر الذي تقدم ، بالعدول عن مقايضتهما مقايضة مباشرة تخضع لربا الفضل ، إلى بيع كل من البدلين بالنقود ، ويشتري كل من البائعين ما يحتاجه من الصنف الذي يريد .

وإذ فرض الشرع إهدار التفاوت في قيم البدلين المتماثلين جنسا ، إذا تمت مبادلتهما عن طريق الصرف أو المقايضة ، فإن هذا الطريق يوصد في البيوع التي لا يجوز فيها الغبن رعاية لحقوق العباد ، التي لا يستوي فيها جيد المال ورديئه ، فلا يجوز للوصي أن يبيع قفيز حنطة جيدة من مال اليتيم بقفيز رديء ، ويتعين على الوصي البيع بالنقد أو بشيء خلاف جنس الحنطة مراعاة لحق اليتيم وحق الشرع (1) . وفي قول الله تعالى في حفظ أموال اليتامى: { وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ } (2) نهي للأوصياء عن مثل تلك المقايضة التي يحيق الغبن فيها باليتيم .

ويكون ربا الفضل بعيدا عن تحقيق التعادل بين المالين المتبادلين بما يمنع الغبن في العقد ، خلافا لما قال به بعض الفقهاء واعتنقه المستشرقون وفريق من رجال القانون (3) .

كما لم يشرع هذا الربا ليسد ذريعة إلى ربا (4)

(1) وكذلك مال الوقف ومال المريض مرض الموت. وإذا انكسر المصوغ المرهون عند المرتهن فيضمن بقيمته من غير جنسه لمراعاة حق العبد، ولكن على وجه لا يبطل حق الشرع. حاشية ابن عابدين ج4 ص 202 و203

(2) سورة النساء الآية 2

(3) بداية المجتهد لابن رشد ج2 ص115، وريمون شارل، المرجع السابق ص86، والوسيط في شرح القانون المدني للدكتور عبد الرزاق السنهوري 1964، ج1 ص376ن 202

(4) إعلام الموقعين عن رب العالمين للإمام ابن قيم الجوزية ج1 ص200-204، وزكي بدوي، ص130-134.

القرض الذي لا يقف التماثل فيه عند تساوي المقادير ، بل يشمل جودة المال ومقداره جميعا .

د- ولا ينتفي ربا الفضل إلا بتحقيق المتعاقدين من تساوي البدلين وزنا ، إن كانا من النقدين ، أو كيلا ، إن كانا من مواد الطعام ، فإن وجدت زيادة ، أو احتمل وجودها ، لعدم وزن أحد البدلين أو كليهما ، كان ربا فضل ، يستوي في أمره صاحب البدل الأكبر الذي زاد ومن قدم البدل الأصغر الذي ازداد ، فكل منهما كما جاء بالنص ، قد أربى ، ولا يجوز لمن زاد إبراء صاحبه من الزيادة ، لأن الحظر هو لمحض حق الله تعالى ، يكفل به مصالح الجماعة ، وليس الحظر متعلقا بشيء من حق المتعاقد .

كما لا يلتزم من أخذ زيادة الوزن أو الكيل أن يردها ، ويصح الصرف أو المقايضة ، خلافا للقرض إن اشترط فيه الربا ، إذ يبطل شرط الربا لفساده ويبقى القرض صحيحا ، وليس كذلك الصرف والمقايضة الربويان ، فإن فساد العقد في أصل محله ، وليس فيه شرط خارج عنه ، فلا ينتهي الحظر إلا بنقض العاقد ذاته . ثم نجد القرض ، وإن حظر شرط الزيادة فيه أو جر المنفعة منه خلال تأجيله ، لا يحظر على المقترض ، إذا شاء أن يزيد فيما يرده إلى من أقرضه من باب حسن القضاء ، كما جاء الحديث القدسي بفضل الدائن السمح الذي يتجوز عن الموسر بقبول ما فيه نقص يسير من الوفاء ، وفي معجم الفقه الحنبلي أنه يجوز وفاء القرض بخير منه في القدر أو الصفة ، أو بما هو دونه بتراضي طرفي العقد .

هـ - وفي ربا الفضل ، بما يفرضه من تساوي المقادير وإهدار التفاوت بين قيمها ، ما يوصد بعضا من أبواب المقايضة ، وهي وسيلة بدائية للتداول ، ويفتح بها أبوابا من البيع بالنقود ، وهي أضبط في تقويم الأشياء وأخفها حملا وأيسرها ادخارا ، وفي فرض البيع بها تكثير التجار وازدهار الأسواق ، بما يدفع التداول في اقتصاد الأمة الإسلامية على طريق التقدم . أما ربا الدين فيدور في صعيد الائتمان ، الذي لا يتصل ببيع يعقد أو تجارة حاضرة تدار ، وتختلف لذلك حكمة حظره عن الحكمة في حظر التفاضل في تلك البيوع .

الفرق بين ربا الدين والنسيئة

وكذلك يختلف ربا النسيئة ، أو ما يسمى ربا النساء أو ربا اليد ، عن ربا الدين . فربا النسيئة حظرت به السنة التأجيل في بعض البيوع الخاصة ، أو التأخير في تنفيذها ، فيجب لصحة العقد أن يكون كل من البدلين فيه حاضرا ، وتسليمها ناجزا ، ولا يجوز أن يدخل الائتمان في تلك العقود ، في جانب أحد من المتعاقدين ، أو كليهما . ونجد لهذا الربا الخصائص الآتية: 1- يسري ربا النسيئة حيث يطبق ربا الفضل دائما ، ففي بيع الذهب بالذهب ، كما تحرم الزيادة في وزن أحد البدلين ، يحرم أن يكون أحدهما غائبا عن مجلس العقد ، وكذلك في مقايضة التمر بالتمر ، لا يصح العقد ، إذا اشترط تأجيل أحد البدلين ، أو لم يتم أداؤه في مجلس التعاقد .

ويتسع ربا النسيئة عن ربا الفضل ، فيطبق على صرف الذهب بالفضة ، وعلى مقايضة القمح بالتمر ، ويجب تسليم البدلين عند التعاقد ، ما داما من مجموعة واحدة من مجموعتي الأصناف الربوية ، وهما النقدان والمطعومات ، فلا ينطبق ربا النسيئة على بيع قمح آجل بفضة معجلة ، بينما يحظر بيع مصوغات الذهب نسيئة ولو بثمن من فضة .

ت- ربا النسيئة ، فيما حظر من تأجيل أنواع من الصرف والمقايضة ، هو استثناء مما أباحته الشريعة الغراء من التجارة المؤجلة والقروض ، وبينت أحكام توثيقها بالكتابة والشهادة أطول آية في القرآن ، في سورة البقرة ، (رقم 282) ، التي استهلت بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ } (1) وفرضت الآية 283 من بعدها أداء الدين المؤجل ، وإن لم يوثق بكتابة ولا برهن ، وألزمت التقوى في شأنه ، بقوله تعالى: { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ } (2) وقد فرق الإسلام بين القرض ، حيث يتأجل الدين رفقا بالمدين وتصدقا بمنفعته عليه ، والبيع المؤجل ، حيث يستثمر التاجر ماله في النسيئة أو السلم ، ويصيب من يحتاج السلعة في بيع النسيئة ، أو رأس المال في السلم ، حاجته العاجلة ، بعوض يؤديه مؤجلا .

وانماز القرض ونحوه من الإرفاق بتحريم الربا ، ولم يحظر الإسلام الزيادة في الثمن المؤجل للمبيع نسيئة (3) كما لم يحرم النقص في الثمن إذ يعجل للمبيع سلما . وقد بين القرآن الكريم اعتراض الذين يأكلون الربا على ما شرع الإسلام من إباحة بيع النسيئة وتحريم الربا ، في قوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } (4) وثم وجه لتأويل الآية بأن هذا القول صادر من المشركين الذين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع كما جاء به القرآن (5) .

وكأنهم قالوا: إن البيع والربا متماثلان عقلا ، ولا توجد علة ظاهرة للتفرقة بين ربح التأجيل في كل منهما ، ليحل البيع ويبقى الربا محرما مما يقتضي عندهم أن يحل الربا كما أحل ربح النسيئة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت