وكذلك روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا » (2) كما قال: « إن من أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم » (3) وروي عن الصحابة رضوان الله عليهم قولهم: إن من اشترى طعاما فباعه قبل أن يقبضه مخالفا نهي السنة ، فبيعه عندهم ربا"، كما قال أحدهم:"إن الرهن في السلم هو الربا المضمون"، وقال آخر:"السلم بما يقوم به السعر ربا ، ولكن السلم في كيل معلوم إلى أجل" (4) . ويجيء على هذا الإطلاق قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"إن من الربا بيع التمر وهي معصفة قبل أن تطيب"فقد بين معنى الربا الذي يقصده أمير المؤمنين من البيوع المحرمة ، ولا ينصرف إلى ربا الديون الذي يعلم عمر ماهيته وحرمته بالدليل القطعي في القرآن ، ولا يجوز أن يعرض بأمر أو نهي في شأنه يغير ما فرض الله ."
ويتضح بتحديد الربا المقصود وجه قول عمر:"ثلاث وددت لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه: الجد ، والكلالة ، وأبواب من الربا"وكذلك ما نسب إليه من قوله رضي الله عنه:"إني لعلي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم ، وآمركم بأشياء لا تصلح لكم ، وإن من آخر القرآن نزولا آية الربا ، وإنه قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبينه لنا ، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم".
كما روي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنه « لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس ثم حرم التجارة في الخمر » (5) (6) .
فأبواب الربا التي كان عمر يود بيانها هي كتحريم تجارة الخمر كلها من محظورات البيوع ونحوها ، التي بينت السنة أحكام كثير منها . وبقيت أحكام سائرها يستنبطها المجتهدون على هدي الكتاب والسنة ، وما يستظهرونه من حقيقة كل معاملة منها وما تحققه من المصالح المشروعة ، وفي ذلك ما يحفظ المرونة اللازمة في التشريعات الاقتصادية والتجارية الإسلامية ، لتواجه ما يستحدث من التصرفات في مختلف العصور والأمصار .
وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « الربا تسعة وتسعون بابا ، أدناها كإتيان الرجل بأمه » يعني الزنا بأمه ، وفي حديث رواه أحمد أنه عليه الصلاة والسلام قال: « لدرهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله تعالى من ستة وثلاثين زنية في الخطيئة » (7) وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا . . . » (8) ومعنى الموبقات المهلكات .
(1) صحيح البخاري الوكالة (2180) ,صحيح مسلم المساقاة (1593) ,سنن النسائي البيوع (4553) ,سنن ابن ماجه التجارات (2256) .
(2) سنن أبو داود البيوع (3541) ,مسند أحمد بن حنبل (5/261) .
(3) سنن أبو داود الأدب (4876) ,مسند أحمد بن حنبل (1/190) .
(4) نيل الأوطار للشوكاني، ج5 ص191 و192 و194، وزكي الدين بدوي، ص 27 هـ 1
(5) صحيح البخاري تفسير القرآن (4266) ,صحيح مسلم المساقاة (1580) ,سنن النسائي البيوع (4665) ,سنن أبو داود البيوع (3490) ,مسند أحمد بن حنبل (6/127) ,سنن الدارمي البيوع (2569) .
(6) تفسير ابن كثير ، ص327، ويرى أن عمر يعني بأبواب من أبواب الربا بعض المسائل التي فيها شائبة الربا، ولم يحدد ابن كثير نوع هذا الربا، وهو قد أدخل في الآية ربا الدين وربا البيع وبغير أن يفرق بينهما
(7) مسند أحمد بن حنبل (5/225) .
(8) صحيح البخاري الوصايا (2615) ,صحيح مسلم الإيمان (89) ,سنن النسائي الوصايا (3671) ,سنن أبو داود الوصايا (2874) .
وروى الأئمة أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لعن الله آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه » (1) .
ويحرم هذا الحديث الصحيح على المدين إيتاء ربا الدين كما يحرم كتابته والشهادة عليه ، أما ربا البيع فيفسد العقد ذاته ، ونجد في حديث ربا الفضل أن طرفي البيع يستويان في اعتبارهما يأكلان الربا بما يصيب كل منهما من العقد المحرم .
فالربا ، باستعماله العام في السنة ، يعني تعدي محظورات هي من كبائر الإثم ، تختلف أنواعها وتتعدد ، لتحمي من المصالح الضرورية مثل ما يحميه حظر الربا المعهود في الديون المؤجلة ، ونجد الربا بهذا المعنى كالإسراف كما أطلقه القرآن الكريم ، ففي مادة اللفظين معنى الزيادة على المعروف ، فناسب إطلاقها على ما جاوز أمر الشريعة من عظيم الخطيئات ، وقد فسر الإسراف في قوله تعالى مخاطبا الأوصياء في شأن أموال اليتامى: { وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا } (2) بأنه أكل مال اليتيم بغير سبب مباح (3) . وهو يشبه الربا حين يراد به أكل المال بسبب غير مباح شرعا ، وتقصد كل تلك الأحكام ، أن تتم رعاية المال في تداوله واستثماره ، وتتكامل مع ما شرعه الإسلام لحفظ المال من حدود بيئية تذود عنه السارقين والمحاربين ، وتعزير لمن يغصبه أو يماطل في أدائه ، ومن تدابير الولاية على من تعوزه أهلية التصرف فيه ، حتى يتحقق للمعاملات صحة الإرادة والسلامة من الغش والجهالة وغيرها مما تتوقف عليه المصلحة الشرعية المرجوة للأفراد والأمة جميعا من المعاوضات المالية .
وكما توعد القرآن الذين يأكلون الربا بالنار التي أعدت للكافرين ، نصت آياته على أن المسرفين هم أصحاب النار .
(1) مسند أحمد بن حنبل (1/402) .
(2) سورة النساء الآية 6
(3) تفسير القرطبي ،ج5 ص40
استقلال ربا الدين عن ربوي الفضل والنسيئة
واختلاف ربا الدين عن أكثر أنواع الربا التي جاءت بالسنة ظاهر ، وإنما يتشابه ربا الدين وربا الفضل ، ويتجوز بعض العلماء ، ويرون ربا القرض من ربا الفضل ، كما شاعت تسمية ربا الدين بربا النسيئة عند آخرين من المفسرين والفقهاء ، ويرجع التشابه بين ربا الدين وربا الفضل ، إلى ما في الديون من الزيادة المحظورة ، كم ترجع تسمية ربا النسيئة إلى التأجيل الذي يؤخذ عنه الربا (1) .
(1) انظر تعريف ربوي الفضل والنسيئة في حاشية ابن عابدين، ج4 ص194.
ويختلف ربا الفضل عن ربا الدين في الماهية ونطاق التطبيق والأثر الشرعي في العقد جميعا .
فحقيقة ربا الفضل ، كما يدل صريح الأحاديث ، هي أنه حظر الزيادة في مقدار أحد البدلين في بعض البيوع الخاصة ، ونجد له الخصائص الآتية: أ- لا يكون إلا في بيع الذهب بالذهب أو التمر بالتمر وغيرهما من الأصناف التي يشتملها النص ، مما يقتصر على صور خاصة من عقدي الصرف والمقايضة ، ولا يسري على سائر صورهما التي يختلف جنس البدلين فيها ، كصرف الذهب بالفضة ، أو مقايضة التمر بالشعير ، ولا يكون ربا الفضل مطلقا في عقد البيع بمعناه الدقيق ، حيث تشتري السلعة بالنقود ، وهو الذي تجري به أكثر المعاوضات التي يطلق عليها في الفقه الإسلامي اسم البيوع ، وإليه ينسب ربا الفضل .
ب- لا يكون ربا الفضل إلا في البيوع الحاضرة ، فهو لا ينفك ، في نص الحديث عن ربا النسيئة ، فحيث يحظر التفاضل بين البدلين يحرم تأجيل شيء منهما ، وتجد بعض العلماء لذلك يسمون ربا الفضل بربا النقد ، يقابلونه بربا الدين الذي لا يقع إلا في التأجيل والنسيئة .