فهرس الكتاب

الصفحة 369 من 1226

وجاء النهي عن الربا في الآيتين 131 ، 130 من سورة آل عمران بالمدينة المنورة ، حيث قال جل ثناؤه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (2) { وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } (3) ويتفق المفسرون على أن هذه الآية نزلت في الربا الذي كانت تجري به معاملات الجاهلية في تأجيل الديون ، وكان الربا يتزايد أضعافا كلما تضاعف امتداد آجال الدين ، وما كانوا يعرفون التفرقة التي استحدثتها القوانين الوضعية بين الربا الفاحش والربا اليسير ، فلم يرد قوله تعالى: { أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً } (4) لتقييد الربا المنهي عنه بما زاد سعره وفحش مقداره ، بل تعبيرا عما كان عليه أمرهم في المداينات الربوية ، وينصرف النهي في الآية إلى الربا قليله وكثيره ، ولا بكون ثم نهي جزئي عن الربا الفاحش ، ثم جاء من بعده التحريم الكلي للربا في سورة البقرة ، كالذي ظنه المستشرقون من التدرج الذي قالوا بمثله في نصوص التوراة وخلافا لما ينادي به بعض المحدثين من المسلمين في محاولتهم تبرير إنشاء بنك وطني بمصر من القول بأن الربا المجمع على حظره ، إنما هو الربا المضاعف الذي يبلغ رأس المال أو يزيد عليه (5) . ويقول الله تعالى في سورة البقرة بالآيات 275-281: { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } (6) { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } (7) { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } (8) { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (9) { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ } (10) { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (11) { وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } (12)

وقد جاءت هذه الآيات بعد الآيات

(1) سورة الروم الآية 39

(2) سورة آل عمران الآية 130

(3) سورة آل عمران الآية 131

(4) سورة آل عمران الآية 130

(5) الربا، للأستاذ دراز، المرجع السابق، ص9، ولكنه ذهب في ص10 إلى القول بتدرج التحريم، وانظر في نقد رأيه تطوير الأعمال المصرفية للدكتور حمود ص153

(6) سورة البقرة الآية 275

(7) سورة البقرة الآية 276

(8) سورة البقرة الآية 277

(9) سورة البقرة الآية 278

(10) سورة البقرة الآية 279

(11) سورة البقرة الآية 280

(12) سورة البقرة الآية 281

الكثيرة التي تحث على الصدقات وتكرم الذين ( يؤتونها) الفقراء وتعد المنفقين ثوابا مضاعفا ( الآيات 261-274) ، وتلت آيات الربا الآيتان 283 ، 282 في الدين المؤجل وتوثيقه بالكتابة أو بالرهن { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ } (1) وظاهر أن الربا الذي نصت عليه الآيات هو ربا الديون ، الذي يأخذه الدائنون مقابل تأجيلها ، وكثيرا ما يطلق عليه ربا الجاهلية ، إذ عرفته أسواق المال العربية قبل الإسلام ، كما كان شائعا في سائر الأمم ، وهو الذي قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله في حجة الوداع: « ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضعه ربا العباس » (2) . وكان يتفق عليه ، إما بإيجاب من المدين يقول لدائنه:"أنظرني أزدك"أو بسؤال من الدائن:"أتقضي أم تربي"فتشترط الزيادة على الدين كلما تأجل وفاؤه .

ويذهب فريق من المفسرين والفقهاء إلى أن لفظ الربا في آيات القرآن ورد عاما أو مجملا ، وقد تولت السنة تخصيصه أو تفصيله ، فبينت إلى جانب الربا الديون أنواعا أخرى من الربا في البيوت وغيرها . ولا يترتب على هذا الخلاف أثر في التفرقة بين ربا الدين وسائر الربوات التي وردت بالسنة .

(1) سورة البقرة الآية 283

(2) مسند أحمد بن حنبل (5/73) ,سنن الدارمي البيوع (2534) .

أنواع الربا في السنة

أشارت السنة الشريفة إلى ربا الديون في حديثه عليه الصلاة والسلام: « كل قرض جر نفعا فهو ربا » ولكن لم يتقيد في إطلاق لفظ الربا بهذا المعنى الاصطلاحي في سائر الأحاديث والآثار ، بل أطلق الربا على محظورات شتى من بعض البيوع ومن الأفعال المقترنة بالتصرفات المالية ، ومن أفعال لا تمس المال بشيء .

فقد روى الأئمة المحدثون عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، مثلا بمثل ، يدا بيد ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى ، الآخذ والمعطي سواء » (1) كما روى أبو داود عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « الذهب بالذهب تبرها وعينها ، والفضة بالفضة تبرها وعينها ، والبر بالبر مدا بمد . . فمن زاد او استزاد فقد أربى » (2) ولا بأس ببيع الذهب بالفضة ، والفضة أكثرهما ، يدا بيد ، وأما نسيئة فلا ، وأخرج مالك في الموطأ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: « لا تبيعوا الذهب إلا مثلا بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا الورق بالذهب ، أحدهما غائب والآخر ناجز ، إني أخاف عليكم الرماء ، والرماء هو الربا » (3) . وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما « أن رسول الله صلى

(1) صحيح البخاري البيوع (2067) ,صحيح مسلم المساقاة (1584) ,سنن الترمذي البيوع (1241) ,سنن النسائي البيوع (4565) ,مسند أحمد بن حنبل (3/97) ,موطأ مالك البيوع (1324) .

(2) سنن النسائي البيوع (4563) ,سنن أبو داود البيوع (3349) .

(3) صحيح البخاري البيوع (2068) ,صحيح مسلم المساقاة (1584) ,سنن الترمذي البيوع (1241) ,سنن النسائي البيوع (4570) ,مسند أحمد بن حنبل (3/4) ,موطأ مالك البيوع (1324) .

الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر ، فجاءهم بتمر جنيب ، فقال:"أكل تمر خيبر هكذا؟"قال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين ، والصاعين بالثلاثة". فقال:"لا تفعل ، بع الجمع بالدراهم ، ثم ابتع بالدراهم جنيبا » (1) . وقيل فيما يقترن بالبيع"الناجش آكل الربا"وهو الذي لا يريد شراء السلعة ، ولكنه يتظاهر بالرغبة فيها ليرفع السعر على من يسوم شراءها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت