فهرس الكتاب

الصفحة 368 من 1226

عصمة المدين من الربا ليست حقا لكل إنسان ، بل هي رعاية لا يسبغها اليهود إلا على بني إسرائيل ، أما الأجانب عنهم فلا حق لهم في قرض حسن لديهم مهما كانت حاجتهم ، ولا يضع اليهود عنهم ربا ، ولا يبرئون معدما منهم كما يبرئون المعسر من اليهود ، ومع ما استيقنته أنفسهم من مضار الربا في الإضرار بالمدين ، فقد تواصى أكثرهم بإقراض الأجنبي بالربا ، ليحلوا به من البوار ما يعدل قتله ، الذي لا يزالون يرونه واجبا عليهم ، ويفسرون ما يقتضيه ذلك الشبه بين جريمة أخذ الربا وجناية القتل من تراث تورثها الجريمة في صدور من تجني عليهم ، وتقتضي اليهود أن ينتهوا من ظلم غيرهم بالربا ، فيتاح للمسلم أن تسود بينهم وبين أهل سائر الأديان ، وقد صار اليهود منتشرين بينهم في دول لا تفرق بين اليهود وسائر رعاياها في شيء من الربا ، ويكون لليهود من الاستقرار الاجتماعي والسياسي بما يقدمون من رعاية لنظم العصر ومواثيقه التي تكفل حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية على اختلاف ديانته .

وقد عرض النصارى في تفسيرهم نصوص التوراة ، التي لم تنسخ شريعتها في حقهم ، لما عليه اليهود من استباحة أخذ الربا من الأجنبي ، وذهب أحد آباء الكنيسة الأولين إلى أن أخذ الربا ما كان جائزا إلا من الشعوب السبعة المغضوب عليها التي كان الناموس يأمر بإبادتها ، فكانت إباحة أخذ الربا منها من باب الأولى ، وانتهت هذه الإباحة مذ دالت تلك الشعوب البائدة وصارت حرمة الربا مطلقة ، ولكن الرأي الراجح عندهم أن نصوص التوراة والتلمود حين تدرس في مجموعها بدقة ترد تلك التفرقة بين اليهودي والأجنبي ، وتفرض على اليهود الامتناع عن أخذ الربا من الأجانب (1) .

وترى الكنيسة في هذه التفرقة ما ينفي عن الربا عند اليهود وصف الجريمة في القانون الطبيعي بجوهره من العدالة .

وأشار بعض علماء المسلمين إلى ما نعاه القرآن على اليهود في قوله تعالى: { وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } (2) { بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } (3) باعتباره ردا على استحلال اليهود أخذ الربا من الأجنبي (4) .

ويقوم الاستدلال بالنص القرآني في شأن الربا ، وإن اختصت عبارته بأكل اليهود أصل أموال غيرهم ، على أساس من طبيعة الربا اليهودي ، باعتباره اغتصابا لمال المدين وسلبا له . وقيل في سبب وجود عبارة

(1) الاعتياد على الإقراض بالربا الفاحش، الدكتور حسن الباسوسي، ص 4 و5، والرأي المرجوح للقديس أمبروزيوس (340-397) .

(2) سورة آل عمران الآية 75

(3) سورة آل عمران الآية 76

(4) الربا في نظر القانون الإسلامي، للأستاذ الشيخ محمد عبد الله دراز- مجلة الأزهر المحرم 1371 ص6 .

"للأجنبي تقرض بربا"أن التوراة الأصلية فقدت ، وأن نسختها الراهنة كتبت بعد السبي ، ويبدو أن كاتبها أخذ تلك العبارة من دلالة المفهوم المخالف للنص الوارد بالعبارة السابقة عليها ، وهذا المفهوم لا حجة فيه عند جمهور الأصوليين إذا كان مفهوم لقب ، كما أن بعض أنبيائهم قد أطلقوا ذم الربا ، في مثل النصوص التي تقدمت (1) .

ويبرر فريق من علماء اليهود أخذ الربا من الأجنبي على أساس المعاملة بالمثل ، إذ كان السائد قديما أن الأجانب لا يقرضون اليهود إلا بالربا ، فوجب على اليهودي أن يأخذ الربا عندما يقرض للأجنبي ، وأن يعطي الربا للأجنبي الذي يقترض منه (2) . وإذا صح هذا السبب ، فإنه لا يباح لليهود أن يأخذوا الربا من المسلمين ، وكذلك من كل من يدين بحرمة الربا من ملل النصارى وغيرهم .

ولا يقتصر أثر هذه الخاصية في ربا اليهود على شيوع أخذهم له من غيرهم وجعل إيتاءه هينا على كثير ممن يدينون بحرمة ذلك من غير اليهود ، حتى استشرى الربا في مختلف ( الأمم) ، بل باءت هذه الخصيصة على اليهود أنفسهم بالفساد ، إذ طفقوا يحتالون بها على أخذ الربا من إخوانهم ، بأن اتخذوا من الأجنبي حاجزا بين طرفي القرض منهم ، فيقرض المرابي اليهودي أجنبيا يقرض بدوره المستقرض اليهودي ويتقاضاه الربا ليأخذه المرابي من يد أجنبي بظاهر من الأمر يتفق وتلك الخاصية ، ويستر حقيقة العصيان في أخذ الربا من اليهودي (3) .

وران ذلك على قلوبهم فقست وألفت ذلك العصيان ، ولم يعودوا يتكلفون ستره . وتسجل التوراة عليهم في سفر نحميا ، بإصحاحه الخامس ، أنهم كانوا يأخذون الربا كل واحد من أخيه فيما أقرضوا من فضة وقمح ، وفي العدد 10 أنهم تركوا هذا الربا تائبين ، ولكن لا تجد في النصوص من بعد ذلك ما يدل على رعايتهم ما نهوا عنه ، وقد جاء القرآن الكريم ، في الآية 161 من سورة النساء ، مصدقا لما سجلته أسفارهم عليه من ذلك العصيان . وبذلك أدت هذه الخصيصة ، التي يقصد بها اليهود ألا يذروا ظلما للأجانب ، إلى إضاعة ما اختصوا به المدينين منهم من رعاية تنجيهم من ظلم أكلة الربا ، وخالفوا من باب هذه التفرقة الظالمة عن التكليف ، في أصله كما يؤمنون به .

وذهب بعض فقهائهم ممن تفيأ خلال الإسلام علما وسماحة ، إلى القول بألا يتوسع في إقراض الأجنبي بالربا حتى لا يعتاده اليهودي ويذهب ورعه عن أخذ الربا المحظور من أخيه (4) . فبنى التقييد على ما يرى فيه نفعا لليهودي وحده ، ولم يقمه على ما ينبغي من كف ظلم اليهودي للمسلمين الذين يعلم أنهم سلم عليه لا يخفرون ذمة له ولا يظلمونه شيئا .

(1) عرض ذلك السيد محمد رشيد رضا نقلا عن الإمام محمد عبده، مجلة المنار، المجلد 16ج 2ت 6 \ 2 \ 1913 أورده الأستاذ زكي الدِّين بَدَوي، المرجع السابق ص2.

(2) دائرة المعارف اليهودية، م12 ص290

(3) الربا عند اليهود، للأستاذ عاشور ص137 عن كتاب شولحان عروخ، ود. حمود ص 218.

(4) وهذا رأي موسى بن ميمون فقيه اليهود وفيلسوفهم المتوفى سنة 1204م. وقد ولد بالأندلس وعاش بمصر وكان طبيبا في بلاط صلاح الدين الأيوبي، انظر دائرة المعارف اليهودية، المجلد 12 ص390 ودائرة المعارف الإسلامية المجلد 1 ص401.

أنواع الربا في القرآن

وأول ما ورد ذكر الربا في القرآن الكريم بسورة الروم المكية ( الآية 40) في قوله تعالى: { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } (1)

وقيل: إن الربا في هذه الآية ليس ما عهد حظره من زيادة الديون المؤجلة ، وإنما هو ربا حلال ، يعني من يهدي مبتغيا أن يعوضه المهدي إليه بخير من هديته ، وقيل: إن الآية تقصد ربا الديون ، وتهيئ لتحريمه بالإيماء إلى محقه وبمقابلته بالزكاة التي يتضاعف ثوابها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت