فهرس الكتاب

الصفحة 367 من 1226

وقد عرف أحبار المشنا ما لتأجيل الدين من أثر ينقص من قيمته نقصا محددا ، فقالوا فيمن شهدا زورا على دين مقداره 1000 زوزيم ، بأنه مؤجل لعشر سنين ، وثبت تواطؤهما على الكذب ، وأن الدين واجب الدفع خلال ثلاثين يوما ، فإنه يحكم عليهما بأن يدفعا الزيادة في قيمة الدين الحاضرة على قيمته المؤجلة (1) ومثل هذه الزيادة المقابلة للتأجيل التي يجوز أخذها في الإتلاف تعادل الربا الذي لا يجوز أخذه في القرض ، وهي التي استند الأحبار إلى احتمال وجودها في بيع الثمر قبل ظهوره للقول بتحريمه ، وهذا البيع محرم في الإسلام ، وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله:"إن من الربا بيع الثمر وهي معصفة قبل أن تطيب"والربا في هذا القول يقصد به البيع المحرم من باب التوسع في إطلاق الربا ، ولا يقصد به الربا الاصطلاحي في الفقه الإسلامي الذي يقتصر على ربا الدين وربوي الفضل والنسيئة في البيوع (2) كما أن سبب تحريم هذا البيع يختلف عما عند اليهود ، فالإسلام لا يحظر الزيادة في قيمة المبيع المؤجل في السلم على الثمن ، وإنما يحرم هذا البيع بسبب الغرر ، وينظر إلى الخطر الذي يحيط بوجود المبيع ، ويمنع أن يضيع الثمن على المشتري إذا لم يوجد الثمر الذي ابتاعه .

الربا عند اليهود لا يسري في شيء من البيوع الحاضرة ، ولا يعرف فقههم ما جاء به الإسلام في تنظيم هذه البيوع من محظورات يسميها فريق من مفسري المسلمين وفقهائهم ربا النقد يقابلونه بربا الديون الذي يسمونه ربا النسيئة لما فيه من التأجيل .

(2) نظرية الربا المحرم، المرجع السابق، ص27 .

الخاصية الثالثة الربا ظلم للمدين

الحكمة في تحريم أخذ الربا هي منع استنزاف مال المدين ظلما . وإذا كانت بعض أسفار التوراة تعبر عن الربا بلفظ الزيادة ، ومن مادته ربيت أو تربيت ، ومربيت في النصوص العبرية والكلدانية والآرامية ، إلا أن أكثر ما يطلق على الربا اللفظية العبرية نشخ ( بكسر النون والشين المعجمة وسكون الخاء المعجمة) وتعني في أصل مادتها اللغوية العض ، وتومئ بذلك إلى أن المرابي يأكل لحم أخيه الذي يداينه بالربا كما ينهشه الثعبان ، ويجعل حزقيال في الإصحاح 18 بأعداده 10-13 أخذ الربا والمرابحة من سمات سفاكي الدماء . فأخذ الربا أشبه عند اليهود بالقتل ، ويقول قائلهم: إن من أراد أن يقتل عدوه بالتي لا تثبت عليه لدى القضاء ، فليقرضه بالربا .

ويترتب على هذه الخاصة توجه حظر الربا إلى الدائن الذي يأخذه ، حيث يعد المقترض مظلوما تغتصب منه الزيادة على أصل ما اقترض ، ولذلك عرف الربا عند اليهود بأنه أخذ الزيادة على الدين غصبا وقهرا (1) ، ونجد نصوص سفري الخروج واللاويين تصف المستقرض بأنه فقير ، مما يدل على اضطراره . وإنما جاء المقترض مطلقا من الافتقار بعد ذلك في سفر التثنية . واستندوا إلى نصه على فعل الربا في صيغة تشمل الدائن والمدين ، فقالوا: إن إثم الربا لا يقع على الدائن وحده ، بل يلحق المدين أيضا ، كما يأثم من قدم رهنا لضمان دين الربا وشهود عقده ، واختلفوا في الكتاب ، فقال فريق يأثم بكتابة الربا ، وقيل: لا إثم عليه . ويردون تأثيم الضامن وشاهد الربا وكاتبه ، إلى أنهم قد أعانوا على المعصية ، وخالفوا الذي في سفر اللاويين في الإصحاح 19 بالعدد 14 ، من النهي عن وضع حجر عثرة أمام الأعمى (2) .

وفي هذا الاجتهاد ما يشبه حكم الإسلام الذي نصت السنة المطهرة فيه صراحة على لعن مؤكل الربا وشاهده وكاتبه ، ولكن القول باعتبار المدين آثما يبدو غير متفق وما جرت به نصوص أسفارهم من استغلال الدائن حاجته وظلمه له .

ونلاحظ أن عسرة المقترضين التي كانت سائدة حين أنزلت التوراة على موسى عليه السلام لازمت اليهود من بعده ، وتدل الأسفار التالية لصحفه على أنهم يستقرضون للإنفاق في الزواج وحاجات الزراعة وأداء خراج الملك في سني القحط (3) .

وبقي اقتصادهم معتمدا على الزراعة .

وإذا كان الإنجيل قد أشار إلى مزاولة اليهود

(2) دائرة المعارف اليهودية، م12 ص390.

(3) سفر نحميا، الإصحاح، العددان 4و10.

تجارة الصرف وإقراض الفضة بالربا عند مبعث المسيح عيسى عليه السلام إليهم (1) .

إلا أن التجارة في الربا لم تكن قد بلغت التطور الذي أصابته من زيادة الودائع لدى الصيارف ، بعد أن اتخذوا شكل المصارف الحديثة ومن توسعهم في استغلال تلك الودائع فيما يقرضون بالربا ، وصار الصيرفي حين يؤدي الربا إلى المودعين ليغريهم على إبقاء أموالهم بين يديه يختلف في سعته تماما عن إملاق المستقرض اليهودي في الأولين ، بما لا يذر من وجه للقول بظلم يحيق بأصحاب المصارف من صغار المودعين ، ولم تعد الحكمة في تحريم أخذ الربا هي مجرد ظلم المدين كما كانت من قبل أن تنسخ شرعة التوراة بشريعة القرآن .

(1) إنجيل لوقا، الإصحاح 19 بالأعداد 11-23 وتشير النصوص إلى أنّ من يأخذ الربا غير صالح، ولم تُشِر إلى من يؤتيه

الخاصية الرابعة

الحظر القضائي للربا مختلف فيه

الربا محظور ديانة ، ومختلف في حظره قضاء ، ففي كتاب"شولحان عروخ"جاء الربا بين المحرمات الدينية والخلقية ، ولم يعرض في باب الالتزامات القضائية ، ويذهب بعض فقهائهم إلى أن ما أخذ من الربا لا يجوز طلب استرداده لدى المحاكم ، ولو كان من ربا القرض الذي يحظره الناموس ذاته ، واحتجوا بأن الجزاء الذي نص عليه الكتاب هو غضب الله تعالى الموجب للموت ، فلا يجوز أن يلزم المرابي بالرد مدنيا ، حتى لا يزاد جزاء على الذي اقتصر النص عليه . ولكن أكثرهم يفرقون بين ربا الناموس وربا الأحبار ، ولا يجيزون المطالبة باسترداد ربا الأحبار ، ويجيزونها إذا كان ما أخذه الدائن من ربا الناموس ، فيكون للمدين أن يلجأ إلى المحكمة الربانية ، فتحكم على المرابي بالرد ، ولكن لا ينفذ الحكم باستيفاء الربا جبرا من أموال الدائن ، وإنما يقتصر على إكراهه بدنيا حتى يقوم بنفسه بالرد . ويستثنون من ذلك اليتيم ، فإنه إذا أخذ ربا الناموس وأنفقه ، فإن لا يسترد منه ، كما لا يطالب برد ربا الأحبار ، بل هم أجازوا له أخذه . وكذلك إذا مات المقرض بعد أخذه الربا ، فإن ورثته لا يلتزمون قضاء ولا ديانة برده (1) . ويبقى من آثار حظر الربا في القضاء ، أنه لا يجوز للدائن أن يطالب المدين بأداء ما حظره الناموس أو الأحبار من الربا ، ويكون الربا الاعتباري مختلفا في أحكامه عن ربا الناموس ، على خلاف ما تقتضيه حقيقة القياس من مساواة الفرع فيه بأصله .

(1) دائرة المعارف اليهودية، م12 ص 389و390 .

الخاصية الخامسة

قصر التحريم على اليهود دون الأجنبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت