وحفلت النصوص برعاية المدينين ، ومنعت مضارتهم في الرهون المقبوضة منهم ، وفرضت إبراء المعسر مما عليه من القرض كل سبع سنين ، وكل ذلك عندهم ما لم يكن المدين أجنبيا (1) .
ويذهب بعض المفسرين من أهل الكتاب إلى أن نصوص سفري الخروج واللاويين التي سلفت ، إنما حرمت الربا الفاحش ، وأن تحريم مطلق الفائدة لم يشرع إلا من بعد ذلك بما جاء في سفر التثنية (2) وقيل إن
(1) اليهودي، للأستاذ مراد فرح، ص 20 ن71، سفر التثنية، الإصحاح 15: 1-4 .
صحف موسى حرمت على اليهود أخذ الربا من الفقراء ولو كانوا من الأجانب ، ثم انحصر التحريم في إقراض اليهود ، وإن كان المقترض موسرا (1) .
وما كان اليهود يعملون بالتجارة حين أنزلت التوراة ، فلم تشر نصوصها إلى الديون التجارية ، ولم يبدأ عهد اليهود بنظام الائتمان التجاري ، إلا بالذي وضعوه ( وهم أسارى ببابل وطبق الأحبار الذين دونوا كتاب المشنا من سنة 200ق م حتى سنة 200م) تحريم أخذ الربا على الديون التجارية ، وإن رخصوا في الوقت ذاته فيما يؤدي إلى التهرب من هذا التحريم ، من طريق الحيلة القانونية ، بأن يعتبر المقرض بالربا بمثابة شريك مستحق لأرباح المشروع التجاري الذي أمده برأس ماله (2) .
(1) دائرة معارف البستاني، ج8 ص 509 مادة '' ربا'' أوردها زكي الدين بدوي، ص3
5 -خصائص الربا عند اليهود
ونستعرض أحكام الربا التي يقرها علماء اليهود في كتبهم ، ونستخلص منها خصائص الربا عندهم كي يستبين أوجه الاختلاف أو الشبه بينه وبين الذي جاء به الإسلام .
وخصائص هذا الربا هي:
1 -الربا في القرض والبيع .
2 -الربا مقابل الأجل .
3 -الربا ظلم للمدين .
4 -الحظر القضائي للربا مختلف فيه .
5 -قصر التحريم على اليهودي دون الأجنبي .
الخاصية الأولى
الربا في القرض والبيع
ينطبق الربا على البيع الذي يدخله التأجيل ، ولا يقتصر على القرض ، فإذا كان الربا هو ما يؤديه المقترض زيادة على مقدار ما اقترض ، وذلك هو التحديد الذي يجده اليهود في نص الكتاب ، ويسمونه لذلك ربا الناموس ، فإن الأحبار قد ألحقوا به كل ما يمنع التهرب من تحريمه ، فحرموا أبوابا من الربا الاعتباري ، وجعلوا منه زيادة ثمن بيع الشيء نسيئة على سعره بالأسواق حاضرا ، فالأرض التي ثمنها الحال 1000 دينار ، لا يجوز بيعها بثمن مؤجل إلى سنة مقداره 1200 دينار . ولكننا نجد نص التوراة ينهى عن أخذ المرابحة من الفقير بعد النهي عن أخذ الربا منه ، مما يفرق بين ربح النسيئة في شأنه والربا ، ويذر حظر المرابحة ناموسيا ومتميزا من الربا ، وكذلك منعوا أن يبيع الشخص شيئا ليس عنده إلى أجل بدين مستحق عليه ، ومن صور ذلك ، أن يشتري يوعز من أخيه أشير كيل قمح بثمن مقداره 25 دينارا مساو لسعر السوق ثم غلا السعر فصار ثمن القمح 30 دينارا ، ولما طلب يوعز قبض قمحه ليبيعه ويشتري بثمنه خمرا ، قال له أخوه بعني القمح بـ 30 دينارا ، أبيعك بها خمرا إلى أجل بسعره الحاضر في السوق ولم يكن الخمر عنده وقتئذ ، فإن شراء أشير القمح بأكثر مما باعه وقبل قبضه لا يعتبر من الربا عند الأحبار ، ويلاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى من اشترى طعاما عن أن يبيعه قبل قبضه وسمى الصحابة مثل هذا البيع ربا ، ويكون بيع يوعز القمح لأخيه من قبل أن يقبضه منه بعد شرائه محظورا في الإسلام على خلاف ما عند اليهود . وإنما يجد الأحبار الربا في بيع أشير الخمر الذي ليس عنده ، حيث تحمل خطر الزيادة في ثمن الخمر حين يشتريه مقابل حصوله على تأجيل الدين الذي استحق عليه . ويحرم بذلك بيع الأشياء المستقبلة من قبل أن يكون سعرها بالسوق قد تحدد . وكذلك اعتبروا من الربا شراء القمح قبل أن تظهر سنابله والعنب قبل أن تبدو عناقيده ، خوفا من أن يكون البيع بثمن أقل من قيمته حين نضجه ، فتكون ثم زيادة محتملة للمشتري (1) وطبقوا ذلك حينا على القرض ذاته ، إذ رأوا لجوازه أن يكون غير مؤجل كمن يقترض كيل قمح حتى يجد مفتاح مخزنه أو يعود ابنه إلى البيت ، ولا يجوز أن يقترضه ليرده في موسم درسه ، لاحتمال أن يرتفع سعر القمح ، فيفيد المقرض من زيادة تشابهت عليهم مع الربا ، ولكن التلمود ألغى هذا الخطر والتزم حد الربا الناموسي ، الذي يقصر التحريم في القرض على رد كمية أكبر مما اقترض المدين ، وجعلت المشنا أجرة العمل كرأس مال المقرض ، إذ حظرت مبادلة العمل في الحرث والعزق بين الجيران ، إذا كان العمل اللاحق أشق من العمل السابق .
ولكنهم لم يجعلوا إجارة العقار كبيعه في شأن الربا ، فأباحوا لمؤجره إذا أجل قبض الأجرة إلى آخر العام بدلا من استيفائها مشاهرة ، أن يتقاضى من مستأجر العقار زيادة على مجموع ما كان يعجله من أجرة كل شهر .
ولا يزال لتلك الخاصية التي تجمع في تحريم الربا بين القرض والبيع تأثيرها في القوانين الأوروبية الغربية ، كما أثرت في الكنائس المصلحة من قبل ، ولا ينفك مشرعو تلك البلاد يرون بائعي النسيئة في مرابحتهم كالمقرضين في رباهم ، ويسلكون الطائفتين جميعا في نصوص مكافحة الربا ، ويفرضون ألا تجاوز الزيادة في الأثمان المؤجلة الحد الأقصى لما أجازته قوانينهم من الربا .
ويجادل المشتغلون ببيوع النسيئة في اعتبارهم كالمرابين ، باستدلال اقتصادي يظاهر الفرق القانوني بين القرض والبيع ، ويستند إلى ما يتحمله بائع النسيئة من نفقة وما يتعرض له مخاطر هلاك ضمانه من السلعة المبيعة ، مما لا يتعرض لمثلها المقرض بالربا (2)
(1) الربا عند اليهود، للأستاذ عاشور: ص45
الخاصية الثانية
الربا مقابل الأجل
فاستحقاق الربا سببه تأجيل القرض أو الدين ، فلا يكون الربا إلا في الديون المؤجلة ، ويستوي أن يتفق على الزيادة ابتداء عند أخذ القرض أو عقد البيع المؤجل وأن تعرض عند المطالبة ، فينظر المدين بارتضاء الزيادة إلى محل ميسرته كما يستوي أن تكون الزيادة محددة جملة واحدة ، وأن يجري تقديرها بنسبة من رأس المال بإزاء طول الأجل ، وتتضاعف الزيادة أضعافا مضاعفة كلما امتدت الآجال .