استحلالا كانوا مرتدين ، والحكم فيهم كالحكم في أهل الردة ، وإن لم يكن ذلك منهم استحلالا ، جاز للإمام محاربتهم ، ألا ترى أن الله تعالى قد أذن في ذلك فقال: سورة البقرة الآية 279 فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الدر المنثور 2 / 108 . .
12 -من شروط التوبة الصادقة لآكل الربا ، أن يرد المرابي المال الذي أخذه زيادة ، والاكتفاء برأس المال ، ويدل على ذلك قوله تعالى: سورة البقرة الآية 279 وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ .
ويجب على من أخذ المال ، أن يعيد رأس المال كاملا ، ولا يؤخر الدفع إن كان موسرا ، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: مطل الغني ظلم . وقال عليه الصلاة والسلام: لي الواجد يحل عرضه وعقوبته وإذا طالت المدة ، ولم يعرف الرجل الذي أخذ منه الربا ، فعلى آكل الربا التائب أن يتحرى ، فإن عجز عن معرفته ، فله أن يتصدق بهذا المال عنه .
13 -الربا في دار الحرب:
ذهب الحنفية خلافا لأبي يوسف ، إلى جواز أخذ الربا من الكفار في دار الحرب؛ لأن مال الحربي مباح بغير عقد .
واحتجوا لرأيهم بما روي عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ربا بين المسلمين وبين أهل دار الحرب .
وهذا الحديث وإن كان مرسلا ، إلا أن مكحولا فقيه ثقة ، والمرسل منه مقبول المبسوط للسرخسي 14 / 56 حاشية ابن عابدين 5 / 186. .
كما استدلوا بما جاء في تفسير قوله تعالى: سورة الروم الآية 1 الم سورة الروم الآية 2 غُلِبَتِ الرُّومُ سورة الروم الآية 3 فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ، فقد ورد أن أبا بكر رضي الله عنه خاطر المشركين على غلب الروم لفارس ، كما أخبرت الآية الكريمة ، فأجاز عليه الصلاة والسلام لأبي بكر أن يأخذ خطره ، وهو القمار بعينه ، بين أبي بكر ومشركي مكة ،
(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 235)
وكانت مكة دار شرك .
ويرد جمهور العلماء على هذا الدليل ، بأن ذلك كان قبل تحريم المخاطرة والمقامرة ، وبعد أن تحقق نصر الروم ، وأخذ أبو بكر رضي الله عنه ما خاطر عليه ، تصدق به .
وذهب جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة شرح فتح القدير 7 / 38 ، الربا والقروض ص 95 . ، ومعهم أبو يوسف من الحنفية ، إلى تحريم الربا مطلقا ، بلا تفريق بين دار السلام ودار الحرب ، فما هو محرم في دار الإسلام ، فهو محرم في دار الحرب ، كالخمر والخنزير وسائر المحرمات .
وقالوا: إن حديث مكحول مرسل وضعيف ، فلا حجة فيه ، وهو محتمل للنهي ، فهو نفي في معنى النهي ، كما في قوله تعالى: سورة البقرة الآية 197 فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ .
وأما القول بأن أموال الحربي مباحة بلا عقد ، فلا نسلم هذه الدعوى ، إن دخلها مسلم بأمان ، وإن كان بغير أمان ، فالعلة منتقضة .
ولا يلزم من كون أموالهم تباح بالاغتنام استباحتها بالعقد الفاسد المجموع للنووي، 9 / 392 .
كما أن وضع الأموال عند الكفار بدعوى جواز أخذ الربا منهم ، إنما يكون لهم عونا على قتال المسلمين ، ووضع اقتصاد المسلمين بأيدي أعدائهم . وقد وصل الحال ببعض هؤلاء الجامدين أن يفتوا بوضع الأموال في بنوك الكفار؛ لأن الربا في هذا الحال جائز ، وقال بعضهم: بل توضع في بنوك الكفار من غير ربا .
أما مجرد وضع الأموال في بنوك المسلمين ، فإن هذا ربا محرم ، وإن كان بغير فائدة ، فهو محرم عندهم كذلك ، لما فيه من الإعانة لهذه البنوك .
ولله الأمر من قبل ومن بعد ، فقد اختلطت العقول ، ولعبت بالرءوس الأهواء ، ومات العلم بموت العلماء ، واتخذ الناس من بعد ذلك رءوسا جهالا ، يفتون بغير علم ، فيضلون ويضلون .
14 -شبهات حول الربا:
يخوض بعض المتأخرين في شبهات حول الربا ، منها أن الاقتصاد العالمي قائم على البنوك والتعامل بالربا . ومنها أن عمل البنوك اليوم يشبه المضاربة ، فالبنك يجني أرباحا من هذه الودائع ، وهو يدفع نسبة من هذه الفوائد عن طواعية ورضا . وإذا وضعنا هذه
(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 237)
الأموال في البنوك دون أخذ فائدة - أي الربا - فإننا نعين البنك بذلك ، وإذا أخذناها ، فيمكن أن نساعد منها المحتاجين ، ومعظم هذه الشبهات الدائرة يجمعها قول الكفار منذ ألف وأربعمائة عام ، فيما حكاه عنهم الله تعالى: سورة البقرة الآية 275 إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا فوجه المشابهة لمن أراد أن يتلاعب بشرع الله يمكن أن يوجد ، ولكن الله أحل البيع وحرم الربا .
ونقول: إن شيوع الباطل لا يجعله حقا ، وقد بدأت محاولات محدودة للتعامل البنكي ، قائمة على منهج البيع وتحريم الربا ، وهي داخلة تحت ما أطلق عليه البنوك الإسلامية . وهذه البنوك تحارب من بعض علماء المسلمين ، كما تحارب من البنوك الأخرى الربوية بدعاوى مختلفة .
ومن ضمن هذه المغالطات ، أن البنوك الإسلامية تدفع ربحا غير محدد ، بينما تدفع البنوك الأخرى ربحا محددا ، وهذه أضمن لمصلحة الفقير ، كما أنه يمكن اعتبار ما يدفعه البنك من ربا ، بمثابة نسبة ربح قياسا على المضاربة ، خاصة وأن البنك يدفعها عن رضا ورحابة صدر ، وإذا خسر البنك ، فيمكنه أن يلجأ للقضاء ، ويثبت خسارته ، وبالتالي فإنه يصبح غير ملزم بدفع نسبة الربح المنصوص عليها .
وأقول: إن مثل هذه الشبهات هي ترقيع لواقع اقتصادي بعيد عن الإسلام ، ورحم الله الإمام إبراهيم بن أدهم ، وهو القائل:
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
وإلا فإن هذا الواقع الربوي ، هو الذي كان موجودا قبل الإسلام ، وهو ربا النسيئة ، وكان يمكن لذلك المرابي أن يقول: إن الذي أخذ المال بالربا ، اشترى به إبلا وأرضا وتاجر فيه ، وليس بمحرم علي أن يعطيني نسبة مما ربحه ، وكثير من الذين يأخذون الربا قديما وحديثا ، إنما يأخذونه للاستثمار ، وقليل منهم الذي يأخذ للحاجة الماسة أو للضرورة .
ولا أدعي أن البنوك الإسلامية تمثل شرع الله الحنيف ، وبعيدة عن النقص في بعض جوانبها ، ولكن يمكن القول: إن التعامل الأساس المعلن لهذا البنك ، هو موافق لشرع الله ، أما أن البنك قد يستعمل هذه الأموال استعمالا فيه شبهة ، فالإثم على من كذب وغير ، أما صاحب المال فقد اتفق على أن يكون التعامل موافقا لشرع الله .
وبالتالي فإن تشويش بعض العلماء على البنوك الإسلامية ، إنما يصب في خدمة البنوك الربوية .
ولا أريد أن أذكر أسماء في هذا المقام ، ولكن أحيل إلى بعض المراجع لمن أحب الاستزادة والاستفادة .
15 -السلم والمحاقلة والمزابنة والمخابرة:
هناك بعض المسائل المتعلقة بالربا ، وهي أقرب إلى مسائل الفروع ، والتعرض لها يطيل البحث .
منها حكم السلم ، وبيع الحيوان بالحيوانين نسيئة ، وبيع اللحم بالحيوان انظر المغني 6 / 90، مسألة رقم713، نيل الأوطار5 / 313 شرح السنة 8 / 81- 86 . ، وكذلك أحكام المحاقلة والمزابنة والمخابرة وكثير
(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 240)
من المعاملات التي يمكن أن تلحق بالربا ، وهي تحت باب البيوع ، وللعلماء فيها تفصيلات وخلاف ، فتراجع في كتب الفقه .
16 -في قوله تعالى: سورة الروم الآية 39 وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ .