روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن هذه الآية في الرجل يهدي غيره هدية ، يرجو أن يثاب أفضل منها . فذلك الذي لا يربو عند الله ، ولا يؤجر صاحبه ، ولكن لا إثم عليه تفسير القرطبي 14 / 36 . .
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: صريح الآية فيمن يهب الهبة يطلب الزيادة من أموال الناس في المكافأة .
وقال المهلب تفسير القرطبي 14 / 37: اختلف العلماء فيمن وهب وهبة يطلب ثوابها ، وقال: إنما أردت الثواب ، فقال مالك: ينظر فيه ، فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له ، فله ذلك . مثل: هبة الفقير للغني ، وهبة الخادم لصاحبه ، وهبة الرجل لأميره ومن فوقه ، وهو أحد قولي الشافعي .
(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 241)
وقال أبو حنيفة: لا يكون له ثواب إذا لم يشترط ، وهو قول الشافعي الآخر .
وأخرج مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أيما رجل وهب هبة يرى أنها للثواب ، فهو على هبته حتى يرضى منها تفسير القرطبي 14 / 38. .
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة ، فإنه لا يرجع فيها ، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب ، فهو على هبته يرجع فيها إن لم يرض منها .
وترجم البخاري في صحيحه (باب المكافأة في الهبة) ، وساق حديث عائشة رضي الله عنها ، حيث قالت: صحيح البخاري الهبة وفضلها والتحريض عليها (2445) ,سنن الترمذي البر والصلة (1953) ,سنن أبو داود البيوع (3536) ,مسند أحمد بن حنبل (6/90) . كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها .
وجاء في سنن الترمذي سنن الترمذي المناقب (3945) ,سنن أبو داود البيوع (3537) ,مسند أحمد بن حنبل (2/292) . أن أعرابيا أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرة البكرة: الفتية من النوق. ، فعوضه منها ست بكرات ، فتسخط ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال: إن فلانا أهدى إلي بكرة ، فعوضته منها بست بكرات ، ويظل ساخطا ، لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي ، أو أنصاري ، أو ثقفي ، أو دوسي
17 -ورد في سبب نزول قوله تعالى: سورة الروم الآية 39 وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ أنها في قدوم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم هدية ، فقال: أهدية أم صدقة ، فإن كانت هدية فإنما يبتغى بها وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقضاء الحاجة ، وإن كانت صدقة فإنما يبتغى بها وجه الله عز وجل ، فقالوا: لا ، بل هدية . فقبلها منهم ، وقعد معهم يسائلهم ويسائلونه أخرجه النسائي 6 / 279 في العمرى، باب عطية المرأة بغير إذن زوجها، (جامع الأصول 11 / 614 رقم 9229) . .
وقال ابن عباس: نزلت في قوم يعطون قراباتهم وإخوانهم على معنى نفعهم والتفضل عليهم تفسير القرطبي 14 / 37 . .
وقال السدي: نزلت هذه الآية في ربا ثقيف؛ لأنهم كانوا يعملون بالربا تفسير القرطبي 14 / 37 . .
وعلى قول السدي ، فإن الآية في الربا المحرم المعهود .
18 -لقد ظهرت شبهات على ألسنة بعض المتأخرين ، هي نفسها الشبهة التي ردها المشركون في الجاهلية ، وتدور هذه الشبهات حول قولهم: سورة البقرة الآية 275 إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ، فيقولون: إن الذي يأخذ الربا يربح ويكسب أضعاف النسبة الربوية ، ونحن إن لم نلزمه بنسبة معينة من الربح ، فإنه قد يكذب ويدعي الخسارة .
فالبنك هو الذي يبحث عن العملاء ، ويغريهم بوضع أموالهم مقابل فائدة معينة ، يطلقون عليها اسم نسبة من الربح ، ويقولون: إن البنك لا يخسر في تعامله ، وإذا خسر حقيقة فأمامه القضاء ليثبت ذلك ، وعندها قد يخسر المودع جزءا من رأس ماله .
وهذه الشبهة على قوتها في الظاهر ، فهي متهالكة في الحقيقة لأن ذلك الأعرابي في الجاهلية عندما يأخذ بالربا ، قد يشتري عقارا أو أنعاما ، وقد يكسب في ذلك أكثر من النسبة الربوية ، وهذه مسألة لا تخفى على أحد . فتحريم الربا إنما هو تحريم لنظام مالي قائم على هذه الأصول الفاسدة انظر كتاب (التدابير المالية الواقية من الربا) للدكتور / فضل إلهي ظهير . ، والبديل عن ذلك هو قيام شركات الاستثمار الإسلامية التي نجحت نجاحا متميزا ، حتى تدخلت فيها الأنظمة وأفشلتها وفق نصائح غربية مفضوحة ، بدعوى أن الذي يملك الاقتصاد يملك الحكم .
والكفار يريدون الاستئثار بالمال والقوة ، ليبقى المسلمون تحت أيديهم ورهن قراراتهم .
19 -وفي قوله تعالى: سورة آل عمران الآية 130 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .
(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 244)
ذهب بعض المتأخرين إلى أن الربا يكون حراما إذا كان أضعافا مضاعفة ، أما إذا كان بنسبة معقولة ، فإن هذا ليس ربا ، ولا يكون حراما ، وجعلوا قوله تعالى: سورة آل عمران الآية 130 أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً قيدا وعلة في التحريم في ظلال القرآن 4 / 473 . وهذا فهم يدل على انحراف في التفكير وسوء قصد . فقوله تعالى: سورة آل عمران الآية 130 أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً إنما هو وصف لواقع جاهلي ، ينفر السامع من التعامل به ، فقد كانوا في الجاهلية يقولون إذا حل الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي ، فإن قضاه وإلا زاده الآخر في المال ، وهكذا كل عام ، حتى يصبح أصل المال مضاعفا . فأمرهم الله بالتقوى ، وبين لهم أن ترك التعامل بالربا من أسباب الفلاح ، وحذرهم من نار جهنم التي أعدت للكافرين ، ومن هم على شاكلتهم .
وقد جاء تحريم الربا على إطلاقه في سورة البقرة ، وبينت ذلك السنة الصحيحة .
20 -بيع الحيوان بالحيوان:
يحرم ربا النسيئة في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل ، وقد ذكرنا الخلاف في علة تحريم ربا الفضل عند العلماء .
وقد اختلف العلماء في حكم بيع الحيوان بالحيوان نسيئة .
(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 245)
فذهب الحنفية ، ورواية عند الحنابلة - إلى أنه يجوز بيع الحيوان بالحيوان إذا كان يدا بيد ، ولا يشترط التماثل ، ويجوز التفاضل ، كبيع حيوان بحيوانين ، ولكن يحرم كل ذلك في النسيئة المغني لابن قدامة 6 / 65 الربا والقروض ص 52. .
وقال الشوكاني: إنه لا خلاف بين العلماء في جواز بيع الحيوان بالحيوان متفاضلا ، إذا كان يدا بيد ، وإنما الخلاف في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة نيل الأوطار 5 / 314 . .
واستدل أصحاب هذا القول بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة .
وكذلك ما روي عن الحسن بن سمرة رضي الله عنه قال: سنن الترمذي البيوع (1237) ,سنن النسائي البيوع (4620) ,سنن أبو داود البيوع (3356) ,سنن ابن ماجه التجارات (2270) ,مسند أحمد بن حنبل (5/19) ,سنن الدارمي البيوع (2564) . نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ) .
(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 246)
ووجه الاستدلال في هذين الحديثين: أن النهي منصب على التفاضل نسيئة ، فإذا كان التفاضل يدا بيد فلا حرج في ذلك .
وقال الإمام مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا ، أنه لا بأس في الجمل بالجمل مثله وزيادة دراهم يدا بيد . وقال: لا خير في الجمل بالجمل مثله وزيادة دراهم ، إذا كانت الدراهم نقدا والجمل إلى أجل . وكذلك إن أخرت الجمل والدراهم فلا خير في ذلك أيضا . ثم قال: ولا بأس أن يبتاع البعير النجيب بالبعيرين .