فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 1226

فقد جعل الله تعالى طريق تعامل الناس ، واستفادة كل منهم من الآخر ، عن طريق العمل ، والربا زيادة في المال دون عمل .

ويختلف البيع عن الربا ؛ لأن البيع يلاحظ فيه انتفاع المشتري بالسلعة انتفاعا حقيقا ، أما الربا فهو إعطاء الدراهم وأخذها مضاعفة في وقت آخر ، وهي غالبا لا تعطى بالرضا ، بل بالكره والاضطرار .

وكذلك فإن الربا يؤدي إلى تكدس المال في أيدي فئة قليلة من الناس ، تجعل عملها مقصورا على استغلال المال بالمال ، وما نشاهده في العصر الحاضر أكبر دليل على ذلك .

فالمال مكدس عند أصحاب البنوك ، وشركات التأمن ، وما شابهها ، ويتحكم هؤلاء في كل شيء ، ويكفي أن نشير إلى ما فعله اليهود ويفعلونه الآن ، من تحكم واستغلال لشعوب الأرض قديما وحديثا ، وذلك باعتماد الربا والوسائل المحرمة لجمع المال .

والربا كذلك يؤدي إلى وقوع الضغينة والبغضاء بين أفراد المجتمع الواحد ، الذي يجب أن تسوده الرحمة والإخاء .

كما أنه يفضي إلى امتناع الناس عن تحمل المشاق ، في الكسب والتجارة والصناعة ؛ فيؤدي إلى انقطاع مصالح الخلق ، ويفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس .

ولا يقال: إن رأس المال لو بقي في يد صاحبه لاستفاد منه وربح بالمتاجرة فيه ، فلما دفعه للمحتاج جاز له أن يأخذ زيادة عن رأس ماله ، مقابل تعطل الانتفاع بهذا المال تفسير آيات الأحكام للسايس 1 / 168 . .

وذلك لأن الربح المزعوم لهذا المال لو بقي في يد صاحبه أمر موهوم مظنون ، فقد يحصل وقد لا يحصل ، أما الزيادة على رأس المال فهي ملك للفقير على وجه اليقين ، وقد يخسر ذلك المحتاج في تعامله برأس المال الذي استدانه ، فيجمع عليه خسارته في التجارة ، والزيادة التي يطلبها المرابي على رأس المال .

6 -بيع العينة انظر الذرائع الربوية ، سليمان الملحم ، رسالة ماجستير في كلية الشريعة .:

العينة بكسر العين المهملة ، ثم ياء تحتية ساكنة ، ثم نون .

قال ابن فارس: العين هو المال العتيد الحاضر ، يقال: هو عين غير دين ، أي هو مال حاضر تراه العيون معجم مقاييس اللغة ، مادة ( عين ) ، 4 / 203 . .

ومن المجاز: إطلاق العين على الميل في الميزان . قال الراغب: وتستعار العين للميل في الميزان المفردات في غريب القرآن ص 355 . .

وقد اشتقت العينة من هذا الأصل ، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي: اشتقت من عين الميزان وهي زيادته .

ووافقه ابن فارس فقال: هذا الذي ذكره الخليل صحيح ؛ لأن العينة لا بد أن تجر زيادة معجم مقاييس اللغة ، مادة ( عين ) . ، وقال الأزهري: العينة اشتقاقها من

(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 215)

العين ، وهو النقد الحاضر تهذيب اللغة للأزهري ، 3 / 207 . .

وقال الجوهري: العينة بالكسر وسكون المثناة: السلف ، ويقال: اعتان الرجل ، إذا اشترى الشيء نسيئة الصحاح للجوهري ، ( مادة عين ) . . وقال ابن منظور: والعينة: الربا لسان العرب ، ( مادة عين ) . .

وقال في القاموس المحيط: وعين ، أخذ بالعينة ، أي السلف أو أعطى بها ، والتاجر باع سلعته بثمن إلى أجل ، ثم اشتراها منه بأقل من ذلك الثمن القاموس المحيط ، ( مادة عين ) . .

وللعينة صور متعددة ، ولكنها في عامتها تدخل في بيع المضطر ، كأن يحتاج رجل إلى نفقة ، فلا يعطيه الموسر بالقرض ، ولكن يبيعه السلعة بضعف ثمنها ، فيضطر المحتاج لبيعها بخسارة من أجل حصوله على المال انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية ، 3 / 137 . .

وقال ابن قدامة: إن من باع سلعة بثمن مؤجل ، ثم اشتراها من المشتري بأقل منه نقدا ، فهو عينة المغني لابن قدامة ، 6 / 260 . .

وقال البنا الساعاتي في تعليقه على مسند أحمد الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد 15 / 44 ، نيل الأوطار 5 / 319 .: فسر الفقهاء

(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 216)

العينة ، أن يبيع الرجل سلعة لرجل آخر إلى أجل ، ثم يشتريها منه بثمن حال نقدا في المجلس ، بأقل من الثمن الذي باعها به ، ليبقى الكثير في ذمته ويسلما من الربا ، وقيل لهذا البيع عينة ، لأن مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بدلها عينا ، أي نقدا حاضرا معجلا ، ليصل به إلى مقصوده ، مع بقاء الثمن الكثير في ذمته ، وذلك حرام باتفاق العلماء ، إن اشترط المشتري على البائع أن يشتريها منه بثمن معلوم ؛ لأنه حيلة على تحليل الربا ، فإن لم يكن بينهما شرط ، أجازها الشافعية ، ومنعها جمهور العلماء .

ولو باعها المشتري من غير بائعها في المجلس ، فهي عينة أيضا لكنها جائزة بالاتفاق إذا خلت من التواطؤ على الحيلة .

وقال الشوكاني: سميت عينة ، لأن العينة هو المال الحاضر ، والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضرة ، ليصل إلى مقصوده نيل الأوطار 5 / 319 ، تفسير القرطبي 5 / 361 . .

وذهب ابن القيم إلى عدم جواز بيع العينة ، مستدلا بما روي عن الأوزاعي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع وقال: هذا الحديث وإن كان مرسلا ، فإنه صالح للاعتضاد به بالاتفاق ، وله من المسندات ما يشهد له نيل الأوطار 5 / 319 . .

(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 217)

وبيع العينة حيلة ومكر وخديعة ، وهو لا يرفع المفسدة التي حرم الربا من أجلها ، بل يزيدها قوة وتأكيدا من وجوه عديدة نيل الأوطار 5 / 319 . .

وقال القرطبي: إن من أباح بيع العينة ، فليبح حفر البئر ، ونصب الحبالات لهلاك المسلمين والمسلمات ، وذلك لا يقوله أحد يقصد حفر البئر ليقع فيه الناس . وقال: لقد اتفقنا على منع من باع العينة ، إذا عرف بذلك وكانت عادته تفسير القرطبي 3 / 360 . .

وقد وردت من السنة عدة روايات في تحريم هذا النوع من البيوع الذي هو صورة من صور الربا ، نذكر منها ما يلي:

ما أخرجه أحمد وأبو داود ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا تبايعتم بالعينة ، وأخذتم أذناب البقر ، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد ، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم .

2 -أخرج الدارقطني ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن

(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 218)

امرأته أنها دخلت على عائشة - رضي الله عنها - فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم ، فقالت: يا أم المؤمنين إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة ، وإني ابتعته منه بستمائة نقدا . فقالت لها عائشة:"بئس ما اشتريت ، وبئس ما شريت ، أخبريه أن الله تعالى قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يتوب ، فقالت لها: أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي ، قالت: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف".

ويدل الحديث أنه لا يجوز لمن باع شيئا بثمن مؤجل ، أن

(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 219)

يشتريه من المشتري بأقل من ذلك الثمن نقدا ، قبل قبض الثمن الأول . وتصريح عائشة بأن مثل هذا الفعل موجب لبطلان الجهاد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدل على أنها قد علمت التحريم بنص من الشارع ، إما على جهة العموم ، أو جهة الخصوص ، كما جاء في حديث بيع العينة المتقدم نيل الأوطار 5 / 317 . .

وقد ذكر العلماء للعينة صورا متعددة ، ومن هذه الصور:

أ- أن يعطي الرجل الآخر مبلغا من المال دون زيادة ، ولكنه يطلب منه سداد هذا المبلغ عن طريق عمل يؤديه إليه .

ولكنه لا يدفع له أجر أمثاله ، بل غالبا ما يكون ذلك الأجر أدل من نصف الأجرة المعتادة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت