فالراجح عند أهل العلم أن مس الشيطان لأيوب - عليه السلام - إنما كان بطريق الوسوسة . ولم يكن ذلك المس من باب صرع الجن تفسير الألوسي 23 / 206 . .
ومما قاله القاضي أبو السعود في تفسيره:"وقيام المصروع وارد على ما يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان ، فيصرع ويخبط ، والخبط: الضرب بغير استواء ، كخبط العشواء ، وفي قوله: ( من المس ) قال: أي الجنون ، وهذا أيضا من زعماتهم ، أن الجني يمسه فيختلط عقله ، فلذلك يقال: جن الرجل"وفعل الرازي الجصاص في تفسيره مثل ذلك أحكام القرآن للجصاص 1 / 47 ، 48 . .
وهناك كتيب صغير عنوانه: ( بيني وبين الشيخ حامد الفقي ) حمل فيه مؤلفه أحمد شاكر بشدة على حامد الفقي ؛ لأنه نقل أقوال أهل العلم في عدم صحة صرع الجن للإنسان ، ونقل قول الشافعي:
(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 207)
"من ادعى أنه يرى الجن ، ويستعين بهم ، فإنا نرد شهادته ، ونتهمه بالكذب"بيني وبين الشيخ حامد الفقي / أحمد شاكر . .
وذكر العلماء أن من ادعت الحمل من الجن ، وظهر حملها ، فلا يصدق قولها ، ويقام الحد عليها .
وقد مال صاحب المنار إلى هذا المذهب ، ونقل عن ابن عطية قوله في تفسير الآية: إن المراد من الآية تشبيه المرابي في الدنيا بالمتخبط المصروع ، كما يقال لمن يصرع بحركات مختلفة: قد جن . ثم قال: وهذا هو المتبادر ، ولكن ذهب الجمهور إلى خلافه ، وقالوا إن من علامة المرابين يوم القيامة أنهم يبعثون كالمصروعين ، ورووا ذلك عن ابن عباس وابن مسعود .
ثم قال: والمتبادر إلى جميع الأفهام ما قاله ابن عطية ؛ لأنه إذا ذكر القيام انصرف إلى النهوض المعهود في الأعمال ، ولا قرينة تدل على أن المراد به البعث ، وهذه الروايات لا يسلم منها شيء من قول في سنده ، وهي لم تنزل مع القرآن ، ولا جاء المرفوع منها مفسرا للآية تفسير المنار 3 / 80 . .
ثم ختم كلامه بأنه قد يكون المراد من الجن الأجسام الحية الخفية ، التي عرفت في هذا العصر بواسطة النظارات المكبرة ، وتسمى الميكروبات تفسير المنار 3 / 81 . .
(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 208)
وأقول إن ما نقله محمد رشيد رضا عن ابن عطية ، حتى وإن سلمنا بأنه هو الراجح ، فإنه لا يتعارض مع رأي جمهور العلماء الذين ذكروا بأن هذا القيام يكون القيامة ؛ لأنه لا يمنع أن يكون حال هؤلاء المرابين في تخبطهم في الدنيا والآخرة ، فهم في الدنيا على هذا الحال ، وعند قيامهم يوم القيامة كذلك ، يكونون على نفس تلك الحال والصفة .
وكذلك ما نقله عن ابن عطية ، فإنه لا يتعارض مع القائلين بصرع الجن للإنسان .
أما قوله: بأن المراد بالجن الميكروب ، فهذا قول واضح التهافت ، ومن المآخذ المعدودة على صاحب تفسير المنار ، والتي تأثر فيها بصاحبه محمد عبده .
أما جمهور العلماء ، فقد ذهبوا إلى إمكانية صرع الجن للإنسان ، والتلبس به ، والتكلم على لسانه .
ومما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة مجموع الفتاوى 24 / 280 .:
"فمن كذب . بما هو موجود من الجن والشياطين والسحر ، وما يأتون به على اختلاف أنواعه ، كدعاء الكواكب ، وتخريج القوى الفعالة السماوية بالقوى المنفعلة الأرضية ، وما ينزل من الشياطين"
(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 209)
على كل أفاك أثيم ، فالشياطين التي تنزل عليهم ، ويسمونها روحانية الكواكب ، وأنكروا دخول الجن في أبدان الإنس ، وحضورها بما يستحضرون به من العزائم والأقسام ، وأمثال ذلك كما هو موجود ، فقد كذب بما لم يحط به علما"."
وقال في موضع آخر:"إن من الناس من رآهم ، وفيهم من رأى من رآهم ، وثبت ذلك عنده بالخبر واليقين ، ومن الناس من كلمهم وكلموه ، ومن الناس من يأمرهم وينهاهم ويتصرف فيهم ، وهذا يكون للصالحين وغير الصالحين ، ولو ذكرت ما جرى لي ولأصحابي معهم لطال الخطاب ، وكذلك ما جرى لغيرنا ، لكن الاعتماد على الأجوبة العلمية يكون على ما يشترك الناس في علمه ، ولا يكون بما يختص بعلمه المجيب ، إلا أن يكون الجواب لمن يصدقه فيما يخبر به"مجموع الفتاوى 4 / 232 . .
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: إن قوما يزعمون أن الجني لا يدخل في بدن الإنسي ، فقال: يا بني يكذبون هو ذا يتكلم على لسانه مجموع الفتاوى 24 / 276 لقط المرجان للسيوطي ص 134 . .
وقال ابن القيم في كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد:
(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 210)
الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية ، وصرع من الأخلاط الرديئة .
والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه زاد المعاد 4 / 66 . .
وقد كتب الشيخ عبد العزيز بن باز رسالتين الأولى: في مسألة دخول الجني في بدن الإنسان ، وجواز مخاطبة الجن للإنس ، والثانية: في العلاج عن طريق السحر والكهانة رسالتان ، عبد العزيز بن باز ، دار السلام- الرياض ط 1 سنة 1411 هـ . .
وقد فرق الشيخ أبو بكر الجزائري بين الشيطان الذي ليس له سلطان على الإنسان إلا بالوسوسة ، وبين الجني الذي يصرع الإنسان ، ويتلبس به فيصرعه ، وينطق الجني على لسانه الدفاع عن الغزالي 23 -33 ( راسم للدعاية ) ط 1 سنة 1410هـ . .
وقد استدل الجمهور بأدلة عديدة من الكتاب والسنة والآثار .
وقد تعقب القاسمي ما ذكره صاحب الكشاف في تفسيره ، ونقل ما كتبه الإمام ناصر الدين أحمد بن المنير الإسكندري ، فقال كتاب الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال1 / 399 ( مطبوع على هامش الكشاف ) .: معنى قول الكشاف: من زعمات العرب ، أي كذباتهم وزخارفهم التي لا حقيقة لها ، وهذا القول على الحقيقة من تخبط الشيطان بالقدرية ، ومن زعماتهم المردودة بقواطع الشرع .
ثم قال: واعتقاد السلف ، وأهل السنة ، أن هذه أمور على حقائقها واقعة ، كما أخبر الشرع عنها ، وإنما القدرية خصماء العلانية ، فلا جرم أنهم ينكرون كثيرا مما يزعمونه مخالفا لقواعدهم . ومن ذلك: السحر ، وخبطة الشيطان ، ومعظم أحوال الجن تفسير القاسمي 3 / 701 ما بعدها . .
وصرح القرطبي بأن هذه الآية دليل على فساد من أنكر الصرع من جهة الجن تفسير القرطبي 3 / 355 . .
وأقول: إن القضية ما زالت محل خلاف ، ليس بين المسلمين فقط ولكنه حتى عند النصارى واليهود ، وغيرهم من الأمم .
وقد قامت بعض الدراسات الميدانية في جامعة الملك سعود .
(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 212)
كما سجلت رسالة جامعية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في قسم القرآن وعلومه ، زار الباحث بعض المنازل التي يعالج فيها الصرع ، ولم يتمكن من تسجيل دليل علمي حقيقي ظاهر على ذلك .
فعند ادعاء أن المصروع قد تلبس به جني هندي ، وأنه يتكلم الهندية ، جاء مترجم هندي ليسمع ما يهذي به ذلك المصروع ، وأنكر أن يكون مثل هذا الكلام له أدنى صلة باللغة الهندية ، بل هو مجرد هذيان ، وتغير صوت ورعشات وهكذا .
ونحن عندما نأخذ برأي الجمهور لا يعني أننا نشجع الناس على الذهاب للسحرة والمشعوذين ، بل ندعوهم للتمسك بكتاب الله والتحصن به ، والبعد عن مواطن الريب والزلل ، فإن الله هو خير حافظا وهو أرحم الراحمين .
5 -الحكمة من تحريم الربا انظر: تفسير المنار 3 / 91 ، روائع البيان للصابوني1 / 394 .:
لقد حرم الله الربا ، لما يترتب عليه من أضرار ومفاسد ، تعم الفرد والمجتمع ، وتتسع دائرة هذا الفساد لتشمل النواحي الاقتصادية والاجتماعية والنفسية .
(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 213)