فهرس الكتاب

الصفحة 356 من 1226

وقد نص الشارع على تحريم ربا الفضل في ستة أعيان ، وهي: الذهب ، والفضة ، والبر ، والشعير ، والتمر ، والملح لقوله -صلى الله عليه وسلم: صحيح مسلم المساقاة (1587) ,سنن الترمذي البيوع (1240) ,سنن النسائي البيوع (4561) ,سنن أبو داود البيوع (3349) ,سنن ابن ماجه التجارات (2254) ,مسند أحمد بن حنبل (5/314) ,سنن الدارمي البيوع (2579) . الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعر ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، مثلا بمثل ، سواء بسواء ، يدا بيد الحديث سبق تخريجه ص 297 . فاتفق العلماء على تحريم التفاضل فيها مع اتحاد الجنس ، وتنازعوا فيما عداها . فطائفة قصرت التحريم على هذه الأصناف فقط ، وهو مذهب أهل الظاهر نيل الأوطار 5 / 302 . .

وذهب الحنفية وأحمد في ظاهر مذهبه إلى أن علة التحريم مكيل وموزون بجنسه فكل ما يدخل الكيل أو الوزن من جنس واحد ، إن بيع بعضه ببعض متفاضلا أو نسيئة لا يجوز ، ولو باع ثوبا

(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 200)

بثوب نسأ ، لم يجز لاتحاد الجنس .

ومنعوا كذلك بيع التراب بعضه ببعض متفاضلا ، لأنه يدخله الكيل ، ولو باع حديدا بنحاس لم يجز لوجود الوزن ، وأجازوا الخبز رغيفا برغيفين ؛ لأنه معدود ، غير مكيل ولا موزون في عرفهم ، وإن كان الخبز يوزن في العصر الحاضر .

وقال الشافعي: العلة كونه مطعوما جنسا ، وإن لم يكن مكيلا ولا موزونا ، وهو رواية عن أحمد . وهذا قوله في الجديد . فلا يجوز عنده بيع الخبز بالخبز متفاضلا ولا نسيئة ، ولا يجوز بيع بيضة ببيضتين ، ولا بطيخة ببطيختين لا يدا بيد ولا نسيئة ؛ لأن ذلك كله طعام مأكول .

وقال في القديم: كونه مكيلا أو موزونا ، كما هو الحال عند الحنفية .

وذهب المالكية إلى كونه مقتاتا مدخرا للعيش غالبا جنسا ، كالأصناف الواردة في الحديث ، من التمر والبر والشعير وما في معناها ، من الأرز والسمسم والذرة ، والقطاني من الفول والعدس والحمص ، وكذلك اللحوم والألبان والزيوت ، والثمار كالعنب والزبيب والزيتون ، ويلحق بها العسل والسكر ، فهذا كله يدخله الربا من جهة النسأ .

وجائز فيه التفاضل ، لقوله - عليه الصلاة والسلام -: إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد . ولا ربا في

(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 201)

رطب الفواكه التي لا تبقى ، كالتفاح والرمان والقثاء والخضروات .

وقال مالك: لا يجوز بيع البيض بالبيض متفاضلا ؛ لأنه مما يدخر ، ويجوز عنده مثلا بمثل .

وفي رواية عن الشافعي ، ورواية عن أحمد أن علة التحريم الطعام إذا كان مكيلا موزونا جنسا تفسير القرطبي 3 / 352 ، شرح فتح القدير 7 / 4 . وهذه الرواية تجمع بين رأي الحنفية والشافعية والحنابلة الربا والمعاملات في الإسلام ص161 محمد رشيد رضا . .

ومن هذا يظهر أن الجنس معتبر عند الجميع ، فيما يتعلق به من تحريم ربا الفضل عند انضمام غيره إليه .

وأما الدراهم والدنانير ، فعند أبي حنيفة ، ورواية عن أحمد ، العلة فيهما كونهما موزونين .

وذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن العلة في ذلك هي الثمنية ، وقد أجمعوا على جواز ذلك في الموزونات من النحاس والحديد . فالدراهم والدنانير هي أثمان المبيعات ، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال ، فيجب أن يكون مضبوطا الربا والمعاملات في الإسلام ص 156 محمد رشيد رضا . .

3 -الخلاف في تحريم ربا الفضل:

ذهب عامة أهل العلم إلى تحريم ربا الفضل ، وأنه كحرمة ربا النسيئة ،

(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 202)

ووردت روايات عن بعض الصحابة تفيد عدم وجود ربا الفضل ، وجعلوا الربا محصورا في ربا النسيئة المغني 4 / 1 . وكانوا يقولون: إنما الربا في النسيئة ، لقوله - عليه الصلاة والسلام -: لا ربا إلا في النسيئة .

وقد روي أن عبد الله بن عباس رجع عن رأيه ، عندما راجعه في ذلك أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - .

(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 203)

وقال الشعبي: حدثني بضعة عشر نفرا من أصحاب ابن عباس - رضي الله عنهما - الخبر ، فالخبر أنه رجع عن فتواه فقال: الفضل حرام .

وقال جابر بن زيد - رضي الله عنه -: ما خرج ابن عباس - رضي الله عنهما - من الدنيا حتى رجع عن قوله في الصرف والمتعة المبسوط للسرخسي 14 / 6 ، 12 / 106 . .

وقال ابن قدامة في المغني: فإن لم يثبت رجوع ابن عباس ، فإجماع التابعين بعده يرفع قوله المغني مع الشرح الكبير 4 / 123 . .

وقد أنكر ابن حزم الظاهري رجوع ابن عباس عن قوله ، كما أنكر الإجماع على تحريم ربا الفضل ، وذكر أن فقهاء مكة من تلاميذ ابن عباس - رضي الله عنهما - كانوا يقولون بقوله المحلى لابن حزم 8 / 566 . .

ولكن عامة أهل العلم على تحريم ربا الفضل ، وربا القرض ، وربا النسيئة ، ولهم أدلة من ظاهر الكتاب والسنة والآثار .

(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 204)

ولقد وفق الشنقيطي بين ما ذهب إليه جمهور العلماء ، وبين ما روي عن ابن عباس ، وأسامة بن زيد وغيرهما ، بأن مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: صحيح مسلم المساقاة (1596) ,سنن النسائي البيوع (4580) ,سنن ابن ماجه التجارات (2257) ,مسند أحمد بن حنبل (5/209) ,سنن الدارمي البيوع (2580) . لا ربا إلا في النسيئة ، إنما هو جواز الفضل في جنسين مختلفين ، واختار هذا الوجه البيهقي في السنن الكبرى .

وقال ابن حجر في فتح الباري: وقال الطبري: معنى حديث أسامة - لا ربا إلا في النسيئة - إذا اختلفت أنواع البيع والفضل فيه يدا بيد ربا ، جمعا بينه وبين حديث أبي سعيد الخدري فتح الباري 4 / 382 . .

4 -صرع الجن للإنسان: ذهب عامة المعتزلة وأبو بكر الرازي الجصاص من الحنفية ، وفخر الدين الرازي ، والقفال من الشافعية ، والقاضي أبو يعلى من الحنابلة ، إلى إنكار صرع الجن للإنسان ، وقالوا: إن الجن مخلوق ليس له سلطان على الإنس ، بل هو عالم مستقل بذاته وافقهم في ذلك محمد رشيد رضا تفسير المنار ، ومحمود شلتوت وبعض المعاصرين . ، وفسروا قوله تعالى: سورة البقرة الآية 275 لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ .

(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 205)

بأن هذا ورد وفق ما كان يتداوله العرب في الجاهلية .

ومما قاله الزمخشري في تفسير الآية: وتخبط الشيطان من زعمات العرب ، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع ، والخبط الضرب على غير استواء ، فورد على ما كانوا يعتقدون ، والمس الجنون ، ورجل ممسوس ، وهذا أيضا من زعماتهم ، وأن الجني يمسه فيختلط عقله ، وكذلك جن الرجل معناه ضربته الجن ، وفي رؤيتهم للجن قصص وأخبار وعجائب تفسير الكشاف 1 / 399 . .

وقالوا إن ما جاء في الآية ، إنما كان وفقا لما يتداوله العرب ، وليس بتقرير وتأكيد لهذه الدعوى ، ويشبه هذا ما جاء في قوله تعالى: سورة الصافات الآية 65 طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ .

فرؤوس الشياطين لم يشاهدها الناس ، ولكنهم يتصورونها بصورة بشعة منفرة .

وقالوا: إن الروايات الواردة في صرع الجن للإنسان لم يصح منها شيء ، وهذه المسألة من مسائل العقيدة ، ولا يصح الجزم فيها بناء على الأدلة الظنية .

وقالوا أيضا: إن هذه الآية شبيهة بقوله تعالى: سورة ص الآية 41 وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ .

(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 206)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت