(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 193)
فلا ينتقص من حسناتهم ، بل تكون الحسنة بعشر أمثالها ، وتجزى السيئة بمثلها .
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن هذه الآية آخر آية نزل بها جبريل - عليه السلام - وقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة ، وعاش رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بعدها واحدا وعشرين يوما ، وقيل واحدا وثمانين ، وقيل سبعة أيام ، وقيل ثلاث ساعات تفسير الطبري 3 / 76 ، الدر المنثور 2 / 116 ، تفسير أبي السعود 1 / 268 ، فتح الباري 4 / 314 . .
وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: اجعلوها بين آية الربا وآية الدين .
ما يستفاد من الآيات:
أ- أنواع الربا:
عامة المعاملات الربوية تنحصر في قسمين:
ربا النسيئة ، وربا الفضل . وغالب البيوع المحرمة إما أن يكون هذا المنع لزيادة في عين المال ، وإما في منفعة لأحدهما دون الآخر ، ومن البيوع ما ليس فيه معنى الزيادة ، كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها ، وكالبيع ساعة النداء يوم المجمعة ، فإن قيل لفاعلها احمل ربا فتجوز وتشبيه التفسير الكبير 7 / 92 ، تفسير القرطبي 3 / 348 ، المغني لابن قدامة 6 / 51 . .
(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 194)
وقال ابن حجر الهيتمي: هو ثلاثة أنواع: ربا الفضل ، وربا اليد ، وربا النسيئة ، وزاد (( المتولي ) ) نوعا رابعا وهو ربا القرض الزواجر عن اقتراف الكبائر 2 / 205 . .
ويمكن القول أن هذه الأنواع الأربعة عائدة إلى القسمين الأولين ، وهما ربا النسيئة وربا الفضل .
ونبدأ أولا بتعريف ربا النسيئة وبيانه:
أ- ربا النسيئة:
النسيء لغة المفردات للراغب الأصفهاني ص 492 ، المعجم الوسيط مادة ( نسأ ) . تأخير في الوقت ، ويقال: نسأ الله في أجلك - أي أخر الله أجلك - ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: صحيح البخاري الأدب (5639) ,سنن الترمذي البر والصلة (1979) ,مسند أحمد بن حنبل (2/374) . من أحب أن يبسط له في رزقه ، وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه .
والنسيئة بيع الشيء بالتأخير ، ومنها النسيء الذي كانت العرب تفعله ، وهو تأخير بعض الأشهر الحرم إلى شهر آخر ، قال تعالى:
(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 195)
سورة التوبة الآية 37 إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ والمنسأ عصا ينسأ بها الشيء أي يؤخر المفردات ص 492 . .
ومن ذلك قوله تعالى: سورة سبأ الآية 14 مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ أما ربا الفضل في اصطلاح العلماء ، فقد اختلفت فيه عبارات الفقهاء ، تبعا لاختلافهم في علة ربا الفضل ويمكن القول أن ربا النسيئة كان معلوما معروفا في الجاهلية ، قبل نزول الآيات القرآنية بتحريمه ، ولذلك قال سبحانه وتعالى: سورة البقرة الآية 275 الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا فهو ربا معروف معلوم ، وهو الزيادة في الأجل مقابل الزيادة في البدل ، وهو المال .
وهذا هو الربا الذي أجمع المسلمون على منعه ، ولم يخالف فيه أحد ، فكانوا في الجاهلية يعطي الرجل رأس ماله لرجل آخر ، على أن يرده إليه بعد مدة معينة ، بزيادة معينة . فتكون الزيادة نظير التأجيل ، وهذا هو ربا النسيئة .
فقد جاء في تفسير الرازي: ( ( إن ربا النسيئة هو الذي كان
(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 196)
مشهورا في الجاهلية ، لأن الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجل أن يأخذ منه كل شهر قدرا معينا .
ورأس المال باق على حاله ، فإذا حل طالبه برأس ماله ، فإن تعذر عليه الأداء زاده في الحق والأجل ) ) التفسير الكبير 7 / 92 . .
ويؤكد ذلك حديث زيد بن أسلم وقال (( كان الربا الذي أذن الله فيه بالحرب لمن يتركه ، كان عند أهل الجاهلية على وجهين ، كأن يكون للرجل على الرجل حق إلى أجل ، فإذا حل الحق ، قال صاحب الحق: أتقضي أم تربي 000 ) ) الحديث .
ب - ربا الفضل:
ذهب جمهور العلماء إلى تحريم ربا الفضل ، في الأصناف الستة
(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 197)
التالية: الذهب ، الفضة ، البر ، الشعير ، التمر ، الملح . فلا يجوز بيع جنس منها بجنسه متفاضلا ، حالا أو مؤجلا ، فيحرم بيع درهم بدرهمين نقدا أو مؤجلا ، وكذا بيع صاع بر بصاعي بر نقدا ، أو مؤجلا الربا والمعاملات المصرفية ص 56 . .
والأدلة على تحريم هذا النوع صريحة وصحيحة من السنة . منها:
أولا: حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: صحيح مسلم المساقاة (1587) ,سنن الترمذي البيوع (1240) ,سنن النسائي البيوع (4561) ,سنن أبو داود البيوع (3349) ,سنن ابن ماجه التجارات (2254) ,مسند أحمد بن حنبل (5/314) ,سنن الدارمي البيوع (2579) . الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعر بالشعر ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، مثلا بمثل ، سواء بسواء ، يدا بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف ، فبيعوا كيف شئتم ، إذا كان يدا بيد ) .
فيفهم من الحديث أنه عند عدم اختلاف الأصناف ليس لهم الخيار في البيع كيف شاءوا .
ثانيا: حديث أبي سعيد الخدري أنه - صلى الله عليه وسلم - قال بعد أن ذكر الأصناف الستة: مثلا بمثل ، يدا بيد ، فمن زاد أو استزاد فقد أربا ، الآخذ والمعطي فيه سواء صحيح البخاري 3 / 65 صحيح مسلم 5 / 42 . .
(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 198)
وفي رواية أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: صحيح البخاري البيوع (2068) ,صحيح مسلم المساقاة (1584) ,سنن الترمذي البيوع (1241) ,سنن النسائي البيوع (4570) ,مسند أحمد بن حنبل (3/4) ,موطأ مالك البيوع (1324) . لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ، ولا تشفوا لا تشفوا: لا تزيدوا ، ولا تفضلوا أحدهما على الآخر ، جامع الأصول 1 / 550 . بعضها على بعض ، ولا تبيعوا الورق الورق: الفضة ، مضروبة كانت أو غير مضروبة ( المعجم الوسيط مادة ورق ) . بالورق إلا مثلا بمثل ، ولا تشفوا ولا تفضلوا ( فتح الباري 4 / 380 . بعضها على بعض ، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز الناجز ، المعجل الحاضر( جامع الأصول 1 / 55 ) . ، .
وقال الشنقيطي: (( والحق الذي لا شك فيه منع ربا الفضل في الأصناف الستة المذكورة ) ) أضواء البيان 1 / 292 ، وقال أيضا: حكى غير واحد الإجماع على تحريمه . .
وقال القرطبي: (( اعلم - رحمك الله - أن مسائل هذا الباب كثيرة وفروعه منتشرة ، والذي يربط لك ذلك ، هو ما اعتبره العلماء في علة الربا ) ) تفسير القرطبي 3 / 352 . .
2 -علة تحريم ربا الفضل:
إن حكمة تحريم ربا النسيئة وما يترتب عليه من أضرار ، أمر
(الجزء رقم: 66، الصفحة رقم: 199)
مسلم ظاهر ، لا يماري فيه أحد ، حتى غير المسلمين يعترفون هذه الأضرار والمفاسد .
أما ربا الفضل فقد تخفى علة التحريم فيه ، ولذلك اختلفت أقوال العلماء في هذه المسألة .