يرك ، إلا بعد أن تعرضها عليه ، أو اشتريت سلعة بشرط إن نفقت وإلا رددتها على البائع ، فالأصل إباحة هذه الشروط وتلزم بالعقد ، وكذلك إذا شرط المشتري على البائع أكثر من شرط ولكنها مباحة في الأصل ، كل ذلك جائز وصحيح ولازم ، لأنه لم يرد نص في تحريمها . وقد أورد العلماء القائلون بأن الأصل في الشروط التحريم عدة أدلة: 1- منها حديث ( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) [متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها ] . 2- حديث (نهى عن بيع وشرط ) . 3 - حديث ( نهى عن بيع وسلف وعن شرطين في بيع) . ورد عليهم شيخ الإسلام ابن تيميه بما يلي: قال رحمه الله"القول الثاني أن الأصل في العقود والشروط: الجواز والصحة ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وبطلانه ، نصا أو قياسا ، عند من يقول به ، وأصول أحمد المنصوصة عنه: أكثرها يجري على هذا القول ومالك قريب منه ، ولكن أحمد أكثر تصحيحا للشروط ، فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحا للشروط منه .... هذا القول هو الصحيح: بدلالة الكتاب والسنة ، والإجماع ، والاعتبار مع الاستصحاب ، وعدم الدليل المنافي . أما الكتاب فقد قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } والعقود هي العهود ، وقال تعالى: { وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا } وقال تعالى { وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا } فقد أمر الله بالوفاء بالعقود ، وهذا عام ، وكذلك أمر بالوفاء بعهد الله وبالعهد ، وقد دخل في ذلك ما عقده المرء على نفسه ، بدليل قوله تعالى { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل } فدل على أن عهد الله يدخل فيه ما عقده المرء على نفسه ، وإن لم يكن الله قد أمر بنفس ذلك المعهود عليه قبل العهد ، كالنذر والبيع ، إنما أمر بالوفاء به ، وهذا قرنه الصدق في قوله { وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا } ...وإذا كان جنس الوفاء ورعاية العهد مأمورا به ، علم أن الأصل صحة العقود والشروط ، إذ لا معنى للتصحيح إلا ما ترتب عليه أثره ، وحصل به مقصوده ، ومقصود العقد: هو الوفاء به ، فإذا كان الشارع قد أمر بمقصود العهد ، دل على أن الأصل فيها الصحة والإباحة"وأجاب على الاحتجاج بحديث ( ليس في كتاب الله ) بقوله:"وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط ، كتاب الله أحق ، وشرط الله أوثق ) فالشرط يراد به المصدر تارة ، والمفعول أخرى ، وكذلك الوعد والخلف ، ومنه قولهم درهم ضرب الأمير ، والمراد به هنا ـ والله أعلم ـ المشروط ، لا نفس المتكلم ، ولهذا قال: ( وإن كان مائة شرط ) أي: وإن كان مائة مشروط ، وليس المراد تعديد التكلم بالشرط ، وإنما المراد تعديد المشروط ، والدليل على ذلك قوله: ( كتاب الله أحق ، وشرط الله أوثق) ، أي: كتاب الله أحق من هذا الشرط ، وشرط الله أوثق منه ، وهذا إنما يكون إذا خالف ذلك الشرط كتاب الله وشرطه ، بأن يكون المشروط مما حرمه الله تعالى ، وأما إذا كان المشروط مما لم يحرمه الله تعالى ، فلم يخالف كتاب الله وشرطه فمضمون الحديث: أن المشروط إذا لم يكن من الأفعال المباحة ، أو يقال: ليس في كتاب الله: أي ليس في كتاب الله نفيه ، كما قال ( سيكون أقوام يحدثونكم بما لم تعرفوا أنتم ولا آباؤكم ) أي: بما تعرفون خلافه ، وإلا فما لا يعرف كثير" [مجموع الفتاوى 29/ 132ـ161] ومعنى كلامه أن مقصود حديث ( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ) أي كل مشروط حرمته الشريعة ، فهو باطل ، وليس مقصوده أن كل شرط زائد على العقد محرم إلا ما كان منصوصا عليه . أما الحديث الثاني: وهو حديث ( نهى عن بيع وشرط ) فهو حديث لا أصل له فلا يحتج به . أما الحديث الثالث: وهو حديث ( نهى عن شرطين في بيع ) قال ابن القيم: إن الصحيح أن الشرطين في البيع هما البيعتان في البيعة ، وهو بيع العينة ، وهو أن يحتاج الشخص للنقد ، فيأتي شخصا آخر ، ويقول له: أبيعك سيارتي بثلاثة آلاف نقدا وأشتريها منك بخمسة مقسطة . قال ابن القيم رحمه الله في تعليقه على معالم السنن بعد ذكر الأقوال في تفسير حديث ( نهى عن شرطين في بيع ) :"فإذا تبين هذه الأقوال فالأولى تفسير كلام النبي صلى الله عليه وسلم بعضه ببعض . فنفسر كلامه بكلامه . فنقول: نظير هذا نهيه صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة , وعن بيعتين في بيعة . فروى سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة ) . وفي السنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من باع بيعتين في بيعه فله أوكسهما , أو الربا ) . وقد فسرت البيعتان في البيعة بأن يقول ( أبيعك بعشرة نقدا , أو بعشرين ونسيئة) هذا بعيد من معنى الحديث من وجهين . أحدهما: أنه لا يدخل الربا في هذا العقد . الثاني: أن هذا ليس بصفقتين , إنما هو صفقة واحدة بأحد الثمنين . وقد ردده بين الأوليين أو الربا . ومعلوم أنه إذا أخذ بالثمن الأزيد في هذا العقد لم يكن ربا . فليس هذا معنى الحديث . وفسر بأن يقول"خذ هذه السلعة بعشرة نقدا وآخذها منك بعشرين نسيئة وهي مسألة العينة بعينها . وهذا هو المعنى المطابق للحديث . فإنه إذا كان مقصودة الدراهم العاجلة بالآجلة فهو لا يستحق إلا رأس ماله , وهو أوكس الثمنين فإن أخذه أخذ أوكسهما , وإن أخذ الثمن الأكثر فقد أخذ الربا . فلا محيد له عن أوكس الثمنين أو الربا . ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى وهذا هو بعينه الشرطان في بيع . فإن الشرط يطلق على العقد نفسه . لأنهما تشارطا على الوفاء به فهو مشروط , والشرط يطلق على المشروط كثيرا , كالضرب يطلق على المضروب , والحلق على المحلوق والنسخ على المنسوخ . فالشرطان كالصفقتين سواء . فشرطان في بيع كصفقتين في صفقة: وإذا أردت أن يتضح لك هذا المعنى فتأمل نهيه صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر عن بيعتين في بيعة , وعن سلف وبيع . رواه أحمد . ونهيه في هذا الحديث عن شرطين في بيع وعن سلف في بيع فجمع السلف والبيع مع الشرطين في البيع , ومع البيعتين في البيعة . وسر ذلك: أن كلا الأمرين يؤول إلى الربا , وهو ذريعة إليه . أما البيعتان في بيعة: فظاهر , فإنه إذا باعه السلعة إلى شهر ثم اشتراها منه بما شرطه له , كان قد باع بما شرطه له بعشرة نسيئة . ولهذا المعنى حرم الله ورسوله العينة . وأما السلف والبيع: فلأنه إذا أقرضه مائة إلى سنة , ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة: فقد جعل ذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل , ولولا هذا البيع لما أقرضه ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك . فظهر سر قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يحل سلف وبيع , ولا شرطان في بيع ) وقول ابن عمر"نهى عن بيعتين في بيعة وعن سلف وبيع"واقتران إحدى الجملتين بالأخرى لما كانا سلما إلى الربا . ومن نظر في الواقع وأحاط به علما فهم مراد الرسول صلى الله عليه وسلم من كلامه , ونزله عليه . وعلم أنه كلام من جمعت له الحكمة , وأوتي جوامع الكلم , فصلوات الله وسلامه عليه , وجزاه أفضل ما جزى نبيا عن أمته"انتهى. *** واليوم يحدث هذا البيع ـ أعني شرطين في بيع أو بيعتين في بيعة ـ بطريق الحيلة ، فيذهب اثنان إلى البنك الإسلامي ، يقول أحدهما أريد أن أبيع سيارتي على فلان تظاهرا فقط ، ثم ترد السيارة على صاحبها بعد انتهاء المعاملة ، الهدف أن"