فإذن مجموع هذه الضوابط يجعل مثل هذا القرار مبنيا على أخطاء متعددة وينبغي العمل على إلغائه في أقرب فرصة ممكنة، طبعا بعد أن تتغير الظروف التي أحاطت بهذا القرار ووافق عليه بعض إخواننا من علماء الأزهر وهم رتبوا فتواهم أو قرارهم على معلومات تعد خطأ محضًا، سواء في مصادمة ما أجمع عليه المسلمون من تحريم قليل الربا وكثيره أو في فهم مدلول أربى أو في نشاط هذه البنوك حيث لا تقوم باستثمار كما يظن بعض هؤلاء وبالتالي تكون الودائع مستثمرة في نشاط تجاري أو غيره، فكل هذه المعلومات ينبغي أن تصحح وأن يعاد القرار إلى وجهه الصحيح الذي يتفق مع ما عمل به المسلمون طوال 14 قرنا، والظروف الحاضرة.
قد يقال إن البنوك ضرورة اقتصادية؟
لسنا في هذا الجانب نتكلم وإنما نقول إن هذه الفوائد الربوية هي عين الربا الذي حرمه الشرع الإسلامي. لذلك ندعو الله سبحانه وتعالى أن يعود هؤلاء عن خطئهم وأن يرجعوا إلى سواء الصراط وخصوصا أن الأزهر له مكانته العالمية وله هيبته وله اعتباره، ينبغي أن تكون مثل هذه القرارات مؤصلة تأصيلا صحيحا حتى يقتنع بها العالم الإسلامي دون أن يورطوا الناس في الوقوع في الحرام وفيما يصادم شرع الله ودينه فذلك مما لا يجوز بحال من الأحوال. والذي أؤكده أنه بعد زوال ظروف إصدار هذا القرار مع الأسف الشديد الذي يعد نكسة ونقطة سوداء في تاريخ مصر وفي تاريخ الأزهر لا بد إلا أن تمحى هذه النقطة بعون الله تبارك وتعالى في ظروف تختلف عن الظروف التي أحاطت بصدور هذا القرار والناس عليهم أن لا ينخدعوا بمثل هذه القرارات الخاطئة وأن لا ينجروا إلى مثل هذه الفتاوى التي هي خطأ محض و (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار) وأن يتثبتوا من واقع الأمر وأن لا يرموا باللائمة على تقليد هذا القرار فذلك بحسب اتفاق علماء الأمة الإسلامية على المدى الطويل يعد هذا الاتفاق في الواقع أول ضربة موجهة لقبول مثل هذا القرار أو الاقتناع به فذلك مما لا يتفق مع سمعة الأزهر العالمية ولا مع حياده وتجرده وحرصه على أن تكون القرارات الصادرة عن مجمع البحوث معبرة عن واقع الإسلام وعما هو حلال والابتعاد عن كل ما هو حرام بل عن الشبهات أيضا، فمثل هذه الأخطاء في الواقع ينبغي أن تتدارك وأن لا ينخدع العالم الإسلامي بهذا القرار فهو كما ذكرت يعد خطأ محضا ولا مسوغ له في المعايير الشرعية، بل إن كل قرارات المجامع الفقهية الدولية تعبر عن علماء الأمة الإسلامية قاطبة دون أن يحيط بها مثلما أحيط بهذا القرار من ملابسات معينة ومعروفة إذن ينبغي أن ندرك إدراكا شاملا أن الصواب هو تحريم أخذ هذه الفوائد أو إعطائها وأن كل ما يتناقض أو يتعارض مع النصوص الشرعية ينبغي إهماله وعدم الالتفات إليه وجعل مثل هذا القرار حبرا على ورق ولا يصح لأحد من المسلمين أن يعمل به، فإن عمل به فقد ارتكب الإثم الواضح على الرغم من صدور هذا القرار.
ثمة من يعتقد أن مبدأ"الضرورات تبيح المحظورات"يمكن أن يبيح هذا الأمر حتى أن بعض الفقهاء أجازوا دفع الرشوة للوصول إلى الحق. فهل توضحون فضيلتكم لنا مدى انطباق ذلك المبدأ على قضيتنا هذه؟
إذا توافر ظرف الضرورة بمعاييرها الشرعية وتوافر ظرف أيضا دفع الرشوة من أجل تعين الوصول إلى الحق وأنه لا سبيل آخر سوى هذا السبيل، فالضرورات تبيح المحظورات بشرط أن تكون هناك ضرورة بمعنى غلبة الظرف أو التيقن بالوقوع في الهلاك أو في دائرة الموت جوعا أو أنه سيبيت في الشارع، فإذا توافرت ظروف الضرورة فنحن نقول بالحل ولكن توافر ظروف الضرورة حالة محدودة ونادرة جدا وقلما ينطبق على مقترض من البنوك الربوية معنى الضرورة لأن لها ضوابط مشددة ينبغي أولا أن تحقق معنى الضرورة في المعايير الشرعية ثم نطبق القاعدة"الضرورات تبيح المحظورات"أو"الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة"فإذا وجدت المعايير الشرعية فنحن مع ذلك، هذه حالات وأمثلة نادرة جدا، فينبغي أيضا عدم التذرع بذريعة الضرورة من أجل الحصول على مسكن أفضل أو تنشيط تجارة أو توسيع مصنع أو تنشيط متجر ويقول الإنسان إنه في حال ضرورة، هذا ليس في حال ضرورة على الإطلاق، هذا في الواقع مترفه وليس مضطرا ، المضطر هو الذي يقترض من أجل الحفاظ على حياته من الوقوع في الموت بسبب الجوع الشديد أو العطش الشديد أو الإرباك الشديد أو التحقق من وجود ضرر في النفس أو المال أو الأهل فإذا توافر ظرف الضرورة بالمعنى الشرعي حينئذ نقول بالجواز ولكن توافر الضرورة بالمعنى الشرعي غير محقق في أغلب الحالات.
بعض الاقتصاديين يرى أن البنوك الإسلامية أيضا تتعامل بالأرباح الثابتة وأن الخلاف بين معاملاتها ومعاملات البنوك الربوية شكلي محض كيف تنظر إلى هذه المسألة؟
البنوك الإسلامية ظاهرة صحية وممتازة وتحقق ما تحققه البنوك الربوية من طريق الحلال، والبنوك الإسلامية لا تجيز أخذ الربا ولا إعطاءه بأي حال من الأحوال، وإنما الحكم المقرر في الإسلام والمعروف أنه ما من حرام إلا وقد شرع الإسلام بديلا عنه من الحلال فهناك بدائل تحقق نفس المطلوب ونفس الغاية التي يقصدها القائمون على البنوك الربوية، هذه البدائل نحن نشارك فيها منذ أكثر من عشرين سنة وقد وضعنا هذه البدائل ووضعنا لها ضوابط بحيث تبعد الناس عن الحرام بأساليب منها المضاربة إذا توافرت أصولها، والمرابحة للآمر بالشراء، وبيع الاستصناع، وبيع السلف، والمشاركات سواء كانت متزايدة أو متناقصة. فعندنا عدة بدائل تحقق نفس الأهداف فإذا سلكنا هذه القنوات عندئذ لا نورط الناس في الحرام. ولذا نجحت البنوك الإسلامية نجاحا منقطع النظير وبدأت منذ ربع قرن في عام 1975 ببنك واحد وهو بنك دبي الإسلامي للحاج سعيد لوكاه ونجح هذا البنك حتى أنه في العالم اليوم أكثر من 250 مؤسسة مصرفية إسلامية تتعامل بالأصول الشرعية. بل إن البنوك الربوية في الغرب أرادوا أن يتعاملوا بالطريقة نفسها التي تتعامل بها البنوك الإسلامية والآن عندنا أصوات ونداءات صارخة سواء في أمريكا أو في أوروبا أو في اليابان أن طريق إنقاذ الاقتصاد العالمي الحالي هو الامتناع عن الفائدة وينبغي أن تكون الفائدة صفرا وهذا ما قرره آدم سميث زعيم الاقتصاديين في العالم وهو الوضع الصحيح الذي يتفق مع المنهج الإسلامي فإذا كانت الفائدة صفرا فعندئذ يحدث الرخاء ونتجنب التضخم النقدي ونمتنع عن أخذ المال بدون جهد ولا عمل ودون مخاطرة فهذا شيء مضمون والله تعالى قال: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} فمهما زادت أرباح المرابين فالله جل جلاله ورسوله لعنا آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه والتفسيرات التي تحاول أن تجعل ربا البنوك غير الربا الموجود في القرآن الكريم هذه تفسيرات خطأ محض تخالف ما عليه أصول تحريم الربا فليتق الله أكلة الربا وموكلوه وليعودوا إلى رشدهم وإلى ما يرضي الله جل جلاله.
نحن نعيش الآن عولمة في الاقتصاد، كيف يمكن أن تكون هناك منظومة مصرفية إسلامية مستقلة عن المنظومة المالية العالمية الربوية؟