فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 1226

وَكَذَلِكَ أَجَازَ بَدَلَ الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ بِالصُّفْرِ وَغَيْرِهِ بِالدَّرَاهِمِ الْفِضَّةِ الْمَحْضَةِ , مِثْلًا بِمِثْلٍ كَانَ الْغِشُّ الثُّلُثَ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ. قَالَ: فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِاسْمِ الْبَيْعِ لَمْ يَجُزْ , وَهُوَ يَرَى فِي الْمَغْشُوشَةِ الزَّكَاةَ إذَا بَلَغَ وَزْنُهَا بِغِشِّهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ , أَوْ بَلَغَ وَزْنُ الدَّنَانِيرِ عِشْرِينَ دِينَارًا , وَإِنْ كَانَتْ الْفِضَّةُ أَوْ الذَّهَبُ فِيهِمَا أَقَلَّ مِنْ الْعُشْرِ. وَهَذَا تَنَاقُضٌ آخَرُ , وَلَئِنْ كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الصَّافِيَةِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا , وَكَانَتْ وَرِقًا , فَإِنَّ بَيْعَ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ جَائِزٌ ; لأََنَّهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ , وَوَرِقٌ وَلَئِنْ كَانَ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ لاَ يَجُوزُ ; لأََنَّهَا لَيْسَتْ شَيْئًا وَاحِدًا , وَلاَ هِيَ وَرِقٌ , فَإِنَّ الزَّكَاةَ فِيهَا لاَ تَجِبُ لِذَلِكَ سَوَاءً سَوَاءً. ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَدَلِ , وَبَيْنَ الْبَيْعِ: عَجَبٌ آخَرُ مَا سَمِعْنَاهُ ، عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ ، وَلاَ نَدْرِي مِنْ أَيْنَ قَالَهُ وَلَئِنْ كَانَ لِلْبَدَلِ هُنَا غَيْرُ حُكْمِ الْبَيْعِ لَيَجُوزَنَّ الدِّينَارُ بِالدِّينَارَيْنِ عَلَى الْبَدَلِ , لاَ عَلَى اسْمِ الْبَيْعِ , وَهَذِهِ عَجَائِبُ كَمَا تَسْمَعُ.

وقال أبو حنيفة: كُلُّ شَيْءٍ مُحَلًّى بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ فَجَائِزٌ بَيْعُهُ بِنَوْعِ مَا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ الثَّمَنُ أَكْثَرَ مِمَّا فِي الْمَبِيعِ مِنْ الْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ , وَلاَ يَجُوزُ بِمِثْلِ مَا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَلاَ بِأَقَلَّ. قَالَ: وَلاَ بُدَّ مِنْ قَبْضِ مَا يَقَعُ لِلْفِضَّةِ أَوْ لِلذَّهَبِ مِنْ الثَّمَنِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ , فَكَانَ هَذَا طَرِيفًا جِدًّا , وَمُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ.

وقال أبو حنيفة فِي الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ: إنْ كَانَ الثُّلُثَانِ هُوَ الصُّفْرُ , وَكَانَتْ الْفِضَّةُ الثُّلُثَ ، وَلاَ يَقْدِرُ عَلَى تَخْلِيصِهَا ; لأََنَّهُ لاَ يَدْرِي إنْ خَلَصَتْ أَيَبْقَى الصُّفْرُ أَمْ يَحْتَرِقُ فَلاَ بَأْسَ يَبِيعُهَا بِوَزْنِ جَمِيعِهَا فِضَّةً مَحْضَةً. وَبِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِ جَمِيعِهَا أَيْضًا , وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا بِمِثْلِ الْفِضَّةِ الَّتِي فِيهَا ، وَلاَ بِأَقَلَّ مِنْهَا. قَالَ: فَإِنْ كَانَ نِصْفُهَا صُفْرًا أَوْ نِصْفُهَا فِضَّةً فَإِنْ كَانَتْ الْفِضَّةُ هِيَ الْغَالِبَةُ: جَازَ بَيْعُهَا بِوَزْنِ جَمِيعِهَا مِنْ الْفِضَّةِ الْمَحْضَةِ , وَلاَ تُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْفِضَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا غَالِيًا لِلآخَرِ جَازَ بَيْعُهَا حِينَئِذٍ بِمِثْلِ وَزْنِ جَمِيعِهَا فِضَّةً مَحْضَةً , وَبِأَكْثَرَ وَبِأَقَلَّ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ فِضَّةُ الثَّمَنِ أَكْثَرَ مِنْ الْفِضَّةِ الَّتِي فِي الدَّرَاهِمِ فَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَيُّ الْفِضَّتَيْنِ أَكْثَرُ الَّتِي هِيَ ثَمَنٌ أَمْ الَّتِي فِي الدَّرَاهِمِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ. قَالَ: فَإِنْ كَانَ ثُلُثَا الدَّرَاهِمِ وَثُلُثُهَا صُفْرًا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُبَاعَ بِالْفِضَّةِ الْمَحْضَةِ إِلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ , لاَ بِأَقَلَّ ، وَلاَ بِأَكْثَرَ. وَهَذِهِ وَسَاوِسُ لَوْ قَالَهَا صَبِيٌّ فِي أَوَّلِ فَهْمِهِ لَيُئِسَ مِنْ فَلاَحِهِ , وَلَوَجَبَ أَنْ يُسْتَعَدَّ لَهُ بَغْلٌ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْبَلاَءِ , وَمَا لِهَذِهِ الأَحْكَامِ وَجْهٌ أَصْلًا , لاَ مِنْ قُرْآنٍ , وَلاَ مِنْ سُنَّةٍ , وَلاَ رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ , وَلاَ قِيَاسٍ , وَلاَ رَأْيٍ سَدِيدٍ , وَلاَ احْتِيَاطٍ , وَلاَ سَمِعْتُ ، عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَالْعَجَبُ أَنَّهُ مَرَّةً رَأَى الثُّلُثَ هَهُنَا قَلِيلًا. وَمَرَّةً رَأَى الرُّبُعَ كَثِيرًا , فِيمَا يَنْكَشِفُ مِنْ بَطْنِ الْحُرَّةِ فِي الصَّلاَةِ. وَمَرَّةً رَأَى مِقْدَارَ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ كَثِيرًا فِيمَا يَنْكَشِفُ مِنْ فَخِذِهَا أَوْ دُبُرِهَا. وَمَرَّةً رَأَى النِّصْفَ قَلِيلًا. وَمَرَّةً رَأَى مِقْدَارَ ثَلاَثَةِ أَصَابِعَ مِنْ جَمِيعِ الرَّأْسِ كَثِيرًا. وَهَذِهِ تَخَالِيطُ لاَ تُعْقَلُ , وَتَحَكُّمٌ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْبَاطِلِ.

قال أبو محمد رحمه الله:

وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِنَا ، عَنْ طَوَائِفَ مِنْ السَّلَفِ:

كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الشُّعَيْثِيِّ ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَنَحْنُ بِأَرْضِ فَارِسٍ: لاَ تَبِيعُوا سُيُوفًا فِيهَا حَلْقَةُ فِضَّةٍ بِالدَّرَاهِمِ.

وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ حَدَّثَنِي يَحْيَى الطَّوِيلُ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ هَمْدَانَ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ , فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّهُ يَكْسُدُ عَلَيَّ الْوَرِقُ أَفَأَصْرِفُهُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ قَالَ: ذَلِكَ الرِّبَا الْعَجْلاَنُ

وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ مِقْسَمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ السَّمَّانِينَ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إذَا كَانَ لأََحَدِكُمْ دَرَاهِمُ لاَ تُنْفَقُ فَلْيَبْتَعْ بِهَا ذَهَبًا , وَلْيَبْتَعْ بِالذَّهَبِ مَا شَاءَ.

وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ بَاعَ نُفَايَةَ بَيْتِ الْمَالِ زُيُوفًا وَقِسْيَانَ بِدَرَاهِمَ دُونَ وَزْنِهَا فَنَهَاهُ عُمَرُ ، عَنْ ذَلِكَ , وَقَالَ: أَوْقِدْ عَلَيْهَا حَتَّى يَذْهَبَ مَا فِيهَا مِنْ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ وَتَخْلُصَ , ثُمَّ بِعْ الْفِضَّةَ بِوَزْنِهَا.

وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ عَامِرَ بْنَ يَحْيَى الْمَعَافِرِيَّ أَخْبَرَهُمْ ، عَنْ حَنَشِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصَّنْعَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ فِي غَزْوَةٍ فَطَارَتْ لِي وَلأََصْحَابِي قِلاَدَةٌ فِيهَا ذَهَبٌ وَوَرِقٌ وَجَوْهَرٌ , فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهَا , فَسَأَلْتُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ فَقَالَ: انْزِعْ ذَهَبَهَا فَاجْعَلْهُ فِي كِفَّةٍ وَاجْعَلْ ذَهَبَكَ فِي كِفَّةٍ , ثُمَّ لاَ تَأْخُذَنَّ إِلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ , فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت