وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ , فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: بَاعَ شَرِيكٌ لِي وَرِقًا بِنَسِيئَةٍ فَجَاءَنِي فَأَخْبَرَنِي فَقُلْتُ: هَذَا لاَ يَصْلُحُ فَقَالَ: قَدْ وَاَللَّهِ بِعْتُهُ فِي السُّوقِ وَمَا عَابَهُ عَلَيَّ أَحَدٌ , فَأَتَيْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ فَسَأَلْتُ فَقَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ وَنَحْنُ نَبِيعُ هَذَا الْبَيْعَ , فَقَالَ: مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلاَ بَأْسَ بِهِ , وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَهُوَ رِبًا ثُمَّ قَالَ لِي: ائْتِ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ فَأَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا قُتَيْبَةُ أَنَا سُفْيَانُ ، هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، هُوَ ابْنُ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ فِي حَدِيثٍ: إنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ: أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَخْبَرَنِي: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ الضَّرِيرُ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ , لاَ رِبَا فِي يَدٍ بِيَدٍ , وَالْمَاءِ مِنْ الْمَاءِ. وَصَحَّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ , ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ أَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سَأَلْت عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنِ الصِّرْفِ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إنْ وَجَدْتَ مِائَةَ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمٍ نَقْدًا فَخُذْهُ.
قال أبو محمد رحمه الله: حَدِيثُ عُبَادَةَ , وَأَبِي هُرَيْرَةَ , وَعُمَرَ , وَأَبِي سَعِيدٍ , فِي أَنَّ الأَصْنَافَ السِّتَّةَ كُلُّ صِنْفٍ مِنْهَا بِصِنْفِهِ: رِبًا إنْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ عَلَى وَزْنِ الآخَرِ: هُوَ زَائِدٌ حُكْمًا عَلَى حَدِيثِ أُسَامَةَ , وَالْبَرَاءِ , وَزَيْدٍ وَالزِّيَادَةُ لاَ يَحِلُّ تَرْكُهَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
1486 - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ بَيْعُ الْقَمْحِ , وَالشَّعِيرِ , وَالتَّمْرِ , وَالْمِلْحِ بِالذَّهَبِ , أَوْ بِالْفِضَّةِ يَدًا بِيَدٍ وَنَسِيئَةً وَجَائِزٌ تَسْلِيمُ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ بِالأَصْنَافِ الَّتِي ذَكَرْنَا ; لأََنَّ النَّصَّ جَاءَ بِإِبَاحَةِ كُلِّ ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
1487 - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا الْقَرْضُ فَجَائِزٌ فِي الأَصْنَافِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَغَيْرِهَا , وَفِي كُلِّ مَا يُتَمَلَّكُ , وَيَحِلُّ إخْرَاجُهُ ، عَنِ الْمِلْكِ , وَلاَ يَدْخُلُ الرِّبَا فِيهِ , إِلاَّ فِي وَجْهٍ وَاحِدٍ فَقَطْ , وَهُوَ اشْتِرَاطُ أَكْثَرَ مِمَّا أَقْرَضَ , أَوْ أَقَلَّ مِمَّا أَقْرَضَ , أَوْ أَجْوَدَ مِمَّا أَقْرَضَ , أَوْ أَدْنَى مِمَّا أَقْرَضَ , وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ , وَهُوَ فِي الأَصْنَافِ السِّتَّةِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ , كَمَا أَوْرَدْنَا بِأَنَّهُ رِبًا وَهُوَ فِيمَا عَدَاهَا شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ وَيَجُوزُ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَمُؤَخَّرًا بِغَيْرِ ذِكْرِ أَجَلٍ , لَكِنْ حَالٌّ فِي الذِّمَّةِ مَتَى طَلَبَهُ صَاحِبُهُ أَخَذَهُ.
وقال مالك: لاَ يَأْخُذُهُ إِلاَّ بَعْدَ مُدَّةٍ يَنْتَفِعُ فِيهَا الْمُسْتَقْرِضُ بِمَا اسْتَقْرَضَ. وَهَذَا خَطَأٌ ; لأََنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ , وَلاَ سُنَّةٌ , وَلاَ رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ , وَلاَ قِيَاسٌ , وَلاَ قَوْلُ أَحَدٍ نَعْلَمُهُ قَبْلَهُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ حَدٌّ فَاسِدٌ ; لأََنَّ الأَنْتِفَاعَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي سَاعَةٍ فَمَا فَوْقَهَا.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَالْقَرْضُ أَمَانَةٌ فَفُرِضَ أَدَاؤُهَا إلَى صَاحِبِهَا مَتَى طَلَبَهَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
1488- مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ كَانَ مَعَ الذَّهَبِ شَيْءٌ غَيْرَهُ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا: مَمْزُوجٌ بِهِ , أَوْ مُضَافٌ فِيهِ , أَوْ مَجْمُوعٌ إلَيْهِ فِي دَنَانِيرَ , أَوْ فِي غَيْرِهَا: لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ مَعَ ذَلِكَ الشَّيْءِ , وَلاَ دُونَهُ بِذَهَبٍ أَصْلًا , لاَ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ ، وَلاَ بِأَقَلَّ , وَلاَ بِمِثْلِهِ , إِلاَّ حَتَّى يَخْلُصُ الذَّهَبُ وَحْدَهُ خَالِصًا.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَ الْفِضَّةِ شَيْءٌ غَيْرُهَا: كَصُفْرٍ , أَوْ ذَهَبٍ , أَوْ غَيْرُهُمَا , مَمْزُوجٌ بِهَا , أَوْ مُلْصَقٌ مَعَهَا , أَوْ مَجْمُوعٌ إلَيْهَا: لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهَا مَعَ ذَلِكَ الشَّيْءِ , وَلاَ دُونَهُ بِفِضَّةٍ أَصْلًا دَرَاهِمَ كَانَتْ أَوْ غَيْرَ دَرَاهِمَ لاَ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا , وَلاَ بِأَقَلَّ , وَلاَ بِمِثْلِ وَزْنِهَا , إِلاَّ حَتَّى تَخْلُصَ الْفِضَّةُ وَحْدَهَا خَالِصَةً , سَوَاءٌ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا السَّيْفُ الْمُحَلَّى , وَالْمُصْحَفُ الْمُحَلَّى , وَالْخَاتَمُ فِيهِ الْفَصُّ , وَالْحُلِيُّ فِيهِ الْفُصُوصُ , أَوْ الْفِضَّةُ الْمُذَهَّبَةُ , أَوْ الدَّنَانِيرُ فِيهَا خِلْطُ صُفْرٍ أَوْ فِضَّةٍ , أَوْ الدَّرَاهِمُ فِيهَا خِلْطٌ مَا , وَلاَ رِبَا فِي غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا أَصْلًا.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي الْقَمْحِ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِهِ مَخْلُوطٌ بِهِ , أَوْ مُضَافٌ إلَيْهِ مِنْ دَغَلٍ أَوْ غَيْرِهِ: لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ , وَلاَ دُونَهُ بِقَمْحٍ صَافٍ أَصْلًا.
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الشَّعِيرِ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُهُ أَوْ مَعَهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ: فَلاَ يَحِلُّ بَيْعُهُ بِشَعِيرٍ مَحْضٍ وَفِي التَّمْرِ يَكُونُ مَعَهُ أَوْ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُهُ أَوْ مَعَهُ فَلاَ يَحِلُّ بَيْعُهُ بِتَمْرٍ مَحْضٍ.
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْمِلْحِ يَكُونُ فِيهِ أَوْ مَعَهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ: فَلاَ يَحِلُّ بَيْعُهُ بِمِلْحٍ صَافٍ. وَإِنَّمَا هَذَا كُلُّهُ إذَا ظَهَرَ أَثَرُ الْخِلْطِ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا
وَأَمَّا مَا لَمْ يُؤَثِّرْ ، وَلاَ ظَهَرَ لَهُ فِيهِ عَيْنٌ ، وَلاَ نَظَرٌ أَيْضًا: فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَحْضِ ; لأََنَّ الأَسْمَاءَ إنَّمَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى حَسَبِ الصِّفَاتِ الَّتِي بِهَا تَنْتَقِلُ الْحُدُودُ.