فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 1226

وَأَيْضًا: فَمِنْ أَيْنَ خَرَجَ لَكُمْ أَنْ تُعَلِّلُوا الْبُرَّ , وَالشَّعِيرَ , وَالتَّمْرَ , وَالْمِلْحَ ، وَلاَ تُعَلِّلُونَ الذَّهَبَ , وَالْفِضَّةَ , وَكُلُّهَا جَاءَ النَّصُّ بِهِ سَوَاءً , فَمِنْ أَيْنَ هَذَا التَّحَكُّمُ يَا هَؤُلاَءِ وَهَلْ هَذَا إِلاَّ شَبَهُ اللَّعِبِ وَلَيْسَ هَذَا مَكَانَ دَعْوَى إجْمَاعٍ , فَقَدْ عَلَّلَ الْحَنَفِيُّونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ بِالْوَزْنِ , وَعَلَّلُوا الأَصْنَافَ الأَرْبَعَةَ بِالْكَيْلِ.

قَالَ عَلِيٌّ: وَغَيْرُهُمْ لَمْ يُعَلِّلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ , وَلاَ بُدَّ مِنْ تَعْلِيلِ الْجَمِيعِ وَالْقِيَاسِ عَلَيْهِ , أَوْ تَرْكِ تَعْلِيلِ الْجَمِيعِ وَتَرْكِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ , وَالأَقْتِصَارِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ النَّصُّ فَقَطْ , وَهَذَا مَا لاَ مُخَلِّصَ لَهُمْ مِنْهُ أَصْلًا. وَقَدْ أَجْهَدْنَا أَنْفُسَنَا فِي أَنْ نَجِدَ لِنُظَّارِهِمْ شَيْئًا يُقَوُّونَ بِهِ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْعِلَلِ يُمْكِنُ إيرَادُهُ وَإِنْ كَالَ شَغَبًا فَمَا قَدَرْنَا عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِمْ. وَجَهَدْنَا أَنْ نَجِدَ لَهُمْ شَيْئًا نُورِدُهُ وَإِنْ لَمْ يُورِدُوهُ كَمَا نَفْعَلُ بِهِمْ وَبِكُلِّ مَنْ خَالَفَنَا , فَإِنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَنْتَبِهُوا لَهُ فَلاَ يَبْعُدُ أَنْ يَنْتَبِهَ لَهُ مُنْتَبِهٌ فَيَشْغَبَ بِهِ , فَمَا قَدَرْنَا عَلَى ذَلِكَ.

وَأَيْضًا: فَإِنَّنَا لَمْ نَجِدْ لِمَالِكٍ فِي تَعْلِيلِهِ الْمَذْكُورِ الَّذِي عَلَيْهِ بَنَى أَقْوَالَهُ فِي الرِّبَا سَلَفًا أَلْبَتَّةَ , لاَ مِنْ صَاحِبٍ ; ، وَلاَ مِنْ تَابِعٍ , وَلاَ مِنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ , وَلَهُمْ تَخَالِيطُ عَظِيمَةٌ فِي أَقْوَالِهِمْ فِي الرِّبَا , فَقَدْ تَقَصَّيْنَاهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ , وَلَمْ نَذْكُرْهَا هَهُنَا ; لأََنَّهُ كِتَابٌ مُخْتَصَرٌ , لَكِنْ يَكْفِي مِنْ إيرَادِهَا: أَنْ يَنْظُرَ كُلُّ ذِي فَهْمٍ كَيْفَ تَكُونُ أَقْوَالٌ بُنِيَتْ عَلَى هَذِهِ الْقَوَاعِدِ وَفُرُوعٌ أُنْشِئَتْ مِنْ هَذِهِ الأُُصُولِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: أَبُو ثَوْرٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ , وَالنَّيْسَابُورِيّ ,

وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي أَوَّلِ قَوْلَيْهِ: عِلَّةُ الرِّبَا هِيَ الأَكْلُ , وَالشُّرْبُ , وَالْكَيْلُ , وَالْوَزْنُ , وَالتَّثْمِينُ فَمَا كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ , أَوْ يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ , لَمْ يَجُزْ مِنْهُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَاحِدٌ بِاثْنَيْنِ , لاَ يَدًا بِيَدٍ ، وَلاَ نَسِيئَةً ,

وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ , وَمَا كَانَ يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا لاَ يُؤْكَلُ ، وَلاَ يُشْرَبُ , أَوْ كَانَ يُؤْكَلُ ، وَلاَ يُشْرَبُ , أَوْ كَانَ يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ مِمَّا لاَ يُكَالُ ، وَلاَ يُوزَنُ , فَلاَ رِبَا فِيهِ يَدًا بِيَدٍ , وَالتَّفَاضُلُ فِيهِ جَائِزٌ , فَأَجَازُوا الأُُتْرُجَّ فِي الأُُتْرُجِّ مُتَفَاضِلًا نَسِيئَةً.

وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا لاَ يُوزَنُ ، وَلاَ يُكَالُ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ , وَكُلُّ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا لاَ يُؤْكَلُ ، وَلاَ يُشْرَبُ , وَلاَ هُوَ ذَهَبٌ ، وَلاَ فِضَّةٌ وَهَذَا الْقَوْلُ صَحَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , ذَكَرَهُ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْهُ فِي مُوَطَّئِهِ , وَلاَ نَعْلَمُهُ ، عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ سَعِيدٍ , وَلاَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ. وَحُجَّةُ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُمْ ادَّعَوْا الإِجْمَاعَ عَلَيْهِ , قَالُوا: وَمَا عَدَاهُ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَلاَ دَلِيلَ عَلَى وُجُوبِ الرِّبَا فِيمَا عَدَا مَا ذَكَرْنَا.

قال أبو محمد رحمه الله: وَدَعْوَاهُمْ هَهُنَا بَاطِلٌ ; لأََنَّ مَنْ ادَّعَى الإِجْمَاعَ عَلَى أَهْلِ الإِسْلاَمِ وَفِيهِمْ الْجِنُّ , وَالإِنْسُ فِي مَسْأَلَةٍ لَمْ يُرْوَ فِيهَا قَوْلٌ ، عَنْ ثَمَانِيَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَصْلًا أَكْثَرُهَا بَاطِلٌ لاَ يَصِحُّ , وَلاَ عَنْ ثَلاَثَةَ عَشَرَ مِنْ التَّابِعِينَ أَصْلًا , عَلَى اخْتِلاَفٍ شَدِيدٍ بَيْنَهُمْ , فَقَدْ ادَّعَى الْبَاطِلَ , فَكَيْفَ وَالْخِلاَفُ فِي هَذَا أَشْهَرُ مِنْ الشَّمْسِ لأََنَّ مَالِكًا وَمَنْ وَافَقَهُ لاَ يَرَوْنَ الرِّبَا فِي الْمَاءِ , وَلاَ فِي كُلِّ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ , إذَا لَمْ يَكُنْ مُقْتَاتًا مُدَّخَرًا. فَلاَ يَرَوْنَ الرِّبَا فِي: التُّفَّاحِ , وَلاَ فِي الْعُنَّابِ , وَلاَ فِي حَبِّ الْقَنْبِ , وَلاَ فِي زَرِيعَةِ الْكَتَّانِ , وَلاَ فِي الْكُرُنْبِ , وَلاَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ , وَكُلُّهُ يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ وَيُؤْكَلُ فَبَطَلَ هَذَا الإِجْمَاعُ الْمَكْذُوبُ. وَمَا وَجَدْنَا لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا أَصْلًا , وَلاَ قَدَرْنَا عَلَى أَنْ نَأْتِيَ لَهُمْ بِغَيْرِهَا , فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ لِتَعَرِّيهِ مِنْ الْبُرْهَانِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: عِلَّةُ الرِّبَا إنَّمَا هِيَ الطَّعْمُ فِي الْجِنْسِ أَوْ الْجِنْسَيْنِ , وَالتَّثْمِينُ فِي الْجِنْسِ أَوْ الْجِنْسَيْنِ , فَمَا كَانَ يُؤْكَلُ , وَيُشْرَبُ , فَلاَ يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا أَصْلًا ، وَلاَ بِنَسِيئَةٍ أَصْلًا , وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّمَاثُلُ نَقْدًا فَقَطْ إذَا كَانَ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ , فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسَيْنِ: جَازَ فِيهِ التَّمَاثُلُ وَالتَّفَاضُلُ نَقْدًا , وَلَمْ يَجُزْ فِيهِمَا النَّسِيئَةُ. وَمَا كَانَ لاَ يُؤْكَلُ ، وَلاَ يُشْرَبُ , وَلاَ هُوَ ذَهَبٌ ، وَلاَ فِضَّةٌ , فَالتَّمَاثُلُ وَالتَّفَاضُلُ , وَالنَّقْدُ وَالنَّسِيئَةُ: جَائِزٌ فِيهِ جِنْسًا كَانَ أَوْ جِنْسَيْنِ فَأَجَازَ رِطْلُ حَدِيدٍ بِرِطْلَيْ حَدِيدٍ إلَى أَجَلٍ ,

وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ مَا لاَ يُؤْكَلُ ، وَلاَ يُشْرَبُ , وَلاَ هُوَ ذَهَبٌ ، وَلاَ فِضَّةٌ. وَمُنِعَ مِنْ بَيْعِ رِطْلٍ سَقَمُونْيَا بِرِطْلَيْ سَقَمُونْيَا ,

وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُتَدَاوَى بِهِ ; لأََنَّهُ يُطْعَمُ عَلَى وَجْهٍ مَا

وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الآخَرُ , وَعَلَيْهِ يَعْتَمِدُ أَصْحَابُهُ , وَإِيَّاهُ يَنْصُرُونَ.

وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِالْخَبَرِ الثَّابِتِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم .

قال أبو محمد رحمه الله: هَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو ، هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيِّ قَالَ"كُنْت أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت