قَالَ عَلِيٌّ: وَحَرَّفَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ مِمَّنْ لاَ عِلْمَ لَهُ بِالْحَدِيثِ ، وَلاَ وَرَعَ لَهُ يَحْجِزُهُ ، عَنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَا لَمْ يَقُلْهُ , وَلاَ جَاءَ عَنْهُ وَبِمَا لاَ عِلْمَ لَهُ بِهِ , فَأَطْلَقَهُ إطْلاَقًا بِلاَ إسْنَادٍ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لاَ يُبَاعُ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ إِلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ.
قال أبو محمد رحمه الله: وَهَذَا كَذِبٌ بَحْتٌ , وَتَعَمُّدٌ لِوَضْعِ الْحَدِيثِ , إنْ لَمْ يَكُنْ خَطَأً مِنْ جَاهِلٍ , وَمَا جَاءَ هَكَذَا قَطُّ , وَلاَ يُوجَدُ أَبَدًا مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ مَوْضُوعَةٍ.
قال أبو محمد رحمه الله: وَلاَ حُجَّةَ لَهُمْ فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ ; لأََنَّهُ إنَّمَا فِيهِ"الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ , وَلَيْسَ فِيهِ الْمَنْعُ عَنْهُ مِثْلًا بِأَكْثَرَ , وَلاَ إبَاحَتُهُ , إنَّمَا هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ , فَوَجَبَ طَلَبُهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْخَبَرِ".
وَأَيْضًا فَإِنَّ لَفْظَةَ"الطَّعَامِ"لاَ تُطْلَقُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ إِلاَّ عَلَى الْبُرِّ وَحْدَهُ:
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَهُوَ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ كُنَّا نُخْرِجُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ , أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ , أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ , أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ فَلَمْ يَقَعْ اسْمُ الطَّعَامِ إِلاَّ عَلَى الْبُرِّ وَحْدَهُ.
وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ مُوجِبًا عِنْدَكُمْ لِلْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ أَكْثَرَ مِنْ مِثْلٍ بِمِثْلٍ , فَاجْعَلُوا ، وَلاَ بُدَّ اقْتِصَارَهُ عليه السلام عَلَى ذِكْرِ الأَصْنَافِ السِّتَّةِ مَانِعًا مِنْ وُقُوعِ الرِّبَا فِيمَا عَدَاهَا , وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضْتُمْ.
فَإِنْ قَالُوا: فَمَا الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ
قلنا: أَعْظَمُ الْفَائِدَةِ إنْ كُنْتُمْ تَتَّعِدُونَ بِاسْمِ الطَّعَامِ إلَى كُلِّ مَا يُؤْكَلُ , فَإِنَّ فِيهِ إبْطَالَ قَوْلِ الْمَالِكِيِّينَ: لاَ يَجُوزُ تُفَّاحَةٌ بِتُفَّاحَةٍ إِلاَّ حِينَ يُوقَنُ أَيُّهُمَا أَكْبَرُ , وَلاَ الْخُضَرُ بِالْخُضَرِ إِلاَّ حِينَ يُوقَنُ أَيُّهَا أَكْثَرُ , وَإِنْ كَانَ لاَ يَتَعَدَّى بِلَفْظَةِ الطَّعَامِ الْبُرُّ , فَفِيهِ إبَاحَةُ بَيْعِ بُرٍّ فَاضِلٍ بِأَدْنَى , وَفَاضِلٍ وَأَدْنَى بِمُتَوَسِّطٍ إذَا تَمَاثَلَتْ فِي الْكَيْلِ.
وَأَيْضًا: فَلاَ يُطْلِقُ عَرَبِيٌّ ، وَلاَ مُسْتَعْرِبٌ عَلَى السَّقَمُونْيَا اسْمَ طَعَامٍ لاَ بِإِطْلاَقٍ ، وَلاَ بِإِضَافَةٍ.
فَإِنْ قَالُوا: قَدْ تُؤْكَلُ فِي الأَدْوِيَةِ
قلنا: وَالصَّنْدَلُ قَدْ يُؤْكَلُ فِي الأَدْوِيَةِ , وَالطِّينُ الأَرْمِينِيُّ , وَالأَحْمَرُ , وَالطَّفْلُ كَذَلِكَ , وَالسَّبَدُ , وَاللُّؤْلُؤُ , وَحَجَرُ الْيَهُودِ كَذَلِكَ , فَأَوْقَعُوا الرِّبَا فِي كُلِّ ذَلِكَ وَهُمْ لاَ يَفْعَلُونَ هَذَا , نَعَمْ , وَفِي النَّاسِ مَنْ يَأْكُلُ أَظْفَارَهُ , وَشَعْرَ لِحْيَتِهِ , وَالرَّقَّ , أَكْلًا ذَرِيعًا , فَأَوْقَعُوهَا فِي الطَّعَامِ , وَأَدْخَلُوا الرِّبَا فِيهَا ; لأََنَّهُمَا قَدْ يُؤْكَلاَنِ أَيْضًا. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُفَرِّجٍ أَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّقِّيِّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ أَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى أَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ أَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ , وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ , كِلاَهُمَا ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَعَامًا مُخْتَلِفًا فَتَبَايَعْنَاهُ بَيْنَنَا بِزِيَادَةٍ , فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نَأْخُذَهُ إِلاَّ كَيْلًا بِكَيْلٍ. وَبِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ أَنَا حَجَّاجٌ ، هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لاَ تُبَاعُ الصُّبْرَةُ مِنْ الطَّعَامِ بِالصُّبْرَةِ مِنْ الطَّعَامِ , وَلاَ الصُّبْرَةُ مِنْ الطَّعَامِ بِالْكَيْلِ مِنْ الطَّعَامِ الْمُسَمَّى. فَهَذَانِ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ إِلاَّ أَنَّهُمَا لاَ حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِمَا ; لأََنَّ اسْمَ"الطَّعَامِ"لاَ يَقَعُ كَمَا
قلنا عِنْدَ الْعَرَبِ مُطْلَقًا إِلاَّ عَلَى الْبُرِّ فَقَطْ , كَمَا ذَكَرْنَا ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ آنِفًا.
فإن قيل: فَقَدْ
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ فَأَرَادَ تَعَالَى ذَبَائِحَنَا وَذَبَائِحَهُمْ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لاَ صَلاَةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ
قلنا: لاَ نَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ اسْمِ"الطَّعَامِ"عَلَى غَيْرِ الْبُرِّ بِإِضَافَةٍ أَوْ بِدَلِيلٍ مِنْ النَّصِّ عَلَى أَنَّ هَذَا الأَحْتِجَاجَ هُوَ عَلَى الشَّافِعِيِّينَ لاَ لَهُمْ ; لأََنَّهُمْ لاَ يَخْتَلِفُونَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ: إنَّ ذَبَائِحَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَذَبَائِحَنَا جَائِزٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا , وَفِي قَوْلِهِمْ الثَّانِي أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا بِشَيْءٍ أَصْلًا حَتَّى يَيْبَسَ. وَهَذَانِ الْقَوْلاَنِ مُخَالِفَانِ لأَحْتِجَاجِهِمْ بِإِطْلاَقِ اسْمِ الطَّعَامِ عَلَى اللُّحُومِ وَغَيْرِهَا.
قال أبو محمد رحمه الله: وَهَذَانِ الْخَبَرَانِ مُخَالِفَانِ لِقَوْلِ مَالِكٍ , وَأَبِي حَنِيفَةَ , جُمْلَةً إنْ حَمَلاَهُمَا عَلَى أَنَّ"الطَّعَامَ"وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ مَا يُؤْكَلُ مُبْطِلاَنِ لِقَوْلِهِمَا فِي الرِّبَا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَكَمَا
قلنا , وَيَبْطُلُ أَيْضًا احْتِجَاجُهُمْ بِهِ بِأَنَّهُ قَدْ رَوَاهُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ مَنْ هُوَ أَضْبَطُ وَأَحْفَظُ مِنْ ابْنِ فُضَيْلٍ: قُتَيْبَةُ ,